رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

مذبحة الروضة

من التقديس إلى التدنيس (2)

 

 

 

لقد مرّت على بلاد الإسلام حملات صليبيّة وأخرى غربية (بريطانية وفرنسية وإيطالية)، كان الاستعمار لبلاد الشرق مبعثها، وكان غايتها الاستيلاء على موارد تلك البلاد الحيوية، وشهدت ديار الإسلام غزوات ومعارك وحروباً لفتها الوحشية الغارقة في دماء الأبرياء، ولكن مع ذلك كله، وفوق ذلك كله؛ ما رأينا قط ممّن يدينون بغير عقيدة الإسلام مثل هذا الحادث الغادر الذي يجوّز في الدين قتل المصلين، وأين؟ في بيت الله، وفي أكرم يوم على الله.. ثم يدَّعي القاتل الغادر أنه بفعله هذا يُرضي الله حين يتحدّث باسمه، ويرتكب الكبائر باسمه، وينتصر باسمه، ولكن ينتصر له ضد من؟ لست أدري، حقيقةً لست أدري!

لو كان المقتول يخالف القاتل في العقيدة لهان الأمر وخف البلاء، ولكن القاتل والمقتول أصحاب ديانة واحدة.. إذا رأيتَ أصحاب العقيدة الواحدة يقتلون بعضهم بعضاً ويشوهون عقيدتهم أمام الله وأمام الناس، فاعلم أنهم مصابون بلوثة عقدية قلَّ أن تعالج: سوء فهم في النظر والتفكير يقدح في الجملة فضلاً عن التفصيل في تحصيل الاعتقاد من أساسه: يقدح في التوجه، وفي التعلق، وفي تطبيق العقيدة على السلوك؛ فيحول الموالاة لله إلى معاداة له؛ فيصبح مفهوم الإله مغايراً تماماً لمفهوم الله التوحيدي الذي جاءت به الأديان الكتابية: يتحول المقدَّس إلى مدنَّس، ويصبح المنزه بفعل سفك الدماء مجسّداً قبيحاً مرَضيَّاً يتقرب إليه المتقربون بالقتل وقربان الزفاف الدموي!

ومن القداسة إلى الدناسة يصبح الدين لا معنى له ولا قيمة بين الناس، وتسود في المجتمع شريعة الغاب، ويتحول إلى أسطورة غارقة في الخرافة هى من جنس الأساطير القديمة التي جعلت من الحروب المقدَّسة هدفاً لها: الدفاع عن إله مدنس بالقتل المقدس ليس له وجود إلا في أدمغة خربة مدمرة محشوة بالوثنية التي جاء الإسلام ليقضي عليها.

فـ«أنصار الله» اليوم، يقتلون رجلاً يقول ربي الله، لا بل يقتلون رجالاً وأطفالاً وشباباً!

وأين؟ في بيت من بيوت الله ثم يدّعون أن هذا هو النصر الذي من عند الله: دنّسوا إله الأديان حقاً واصطنعوا لأنفسهم إلهاً يعبدونه لا يتصور في العقل والشرع أن يكون هو (الله) الذي عرفته الأديان الكتابية، يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر ويوطئ لأمان الخائفين.

لا شك أنهم لم يردوا الغاية المبطونة من وراء العمل.. إنها الغاية التي كشفها حديث رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه، حيث قال: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخيرٌ لكم من إعطاء الذهب والورق؛ وأن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم: قالوا وما ذاك يا رسول الله؟ قال: ذكر الله عز وجل».

هذا كلام رسول الإنسانية.. هذا كلام محمد بن عبدالله، صلوات الله عليه، وليس هو بكلام «أفلاطون» ولا «أرسطو» ولا ابن تيمية ولا حسن البنا ولا سيد قطب.. هذا كلام الحبيب محمد رسول الله، وأعز خلق الله على الله.. كيف جاز لمن يسمع كلام الله وكلام رسوله قتل الذاكرين، والذكر مُيّز عن الجهاد الذي يدّعون؟ إذا لم يكن تنفعهم جميع النصوص النقلية، وأظهرها القرآن الكريم يتلونه بعيون عمياء وقلوب صماء، ويرددونه لفظاً بغير معنى، ما جاوز الحناجر والأشداق، وإذا لم تفدْهم من آياته مرماها ولا حتى ظاهرها اللفظي؛ فما الذي ينفعهم من بعدُ وما الذي يفيدهم؟

هذا أقصى ما يمكن أن يتصوّره المرء في حق مذبحة الروضة، إذا هو تصوّر قتل المسلم لأخيه المسلم؛ فهل بالفعل من دبّر حادث مسجد الروضة هم مسلمون أيَّاً كانت انتماءاتهم؟