رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

ضربة قلم

الديمقراطية.. الضرورة والواقع

جمال يونس Sunday, 04 February 2018 18:58

مصر لم تعرف الحرية والديقراطية على مدى تاريخها الطويل من قبل الميلاد وحتى الآن. عرفت المركزية فى الحكم والإدارة، وصدَّرت للعالم معنى الدولة والمؤسسات.

كان الملك الفرعون هو بطل الإلهة ماعت التى تمثل العدالة والتوازن والنظام، والتى تعادى نقيضها «إسفت» الذى يمثل الظلم والفوضى. وكانت وجهة نظر إخناتون أن الكون إما أن يكون مسرحاً لاضطرابات تستلزم تدخل الدولة؛ حتى يصبح قابلاً للسكنى، وإما مكاناً يسوده الانسجام تهدده قوى سلبية، ولا بد من الدفاع عنه حتى لا يختفى من الوجود.. مصر عرفت قبل العالم الفتوحات وكيفية إدارتها، والحفاظ عليها، ما استدعى وجود جيش قوى.

وإذا كان الهدف الأساسى من الفتوحات تأمين حدود البلاد، فإنَّ الهدف الذى لا يقل أهمية عن سابقه هو تحقيق وتوفير الموارد للاقتصاد المصرى. وأصبح التوازن المالى يعتمد على القدرة العسكرية لمصر.. كان رمسيس الثانى أول من وزَّع «ذهب الشجاعة» على العسكريين، وفقاً لإنجازاتهم ورتبهم، وكانوا يحصلون على مساحات متفاوتة من الأراضى لإدارتها أو كملكية خاصة كمكافأة. وكان الملك أحمس يمنحهم الأراضى مع ما يلزمها من أفراد, وواصل سيتى الأول، ورمسيس الثالث، ورمسيس الرابع نفس السياسة. وعرف العسكريون كيف يُشعرون الملوك بأهميتهم فى تنفيذ سياسة تنمية الموارد من جميع أنحاء الإمبراطورية.

وقد شارك الجيش فى أعمال الإدارة خلال حكم تحتمس الثالث، وتحتمس الرابع، مثل تعداد السكان والحيوانات. كما أصدر حور محب، قائد الجيش السابق، والذى أصبح فرعون، مرسوماً بعدم استبعاد الجيش من أعمال الإدارة العادية، وخاصة جباية الضرائب؛ حيث ترتب على استبعاد الجيش سوء استخدام السلطة.. مصر الفرعونية أقامت مجدها بالقوة والاستقرار والأمن.

< رغم أن القانون الرومانى يثير الإعجاب، ورسَّخ لقواعد ومبادئ قانونية سارية حتى الآن؛ مثل المساواة أمام القانون، والمتهم برىء حتى تثبت إدانته، ومحاكمة المتهم فى محل الجريمة لا محل إقامته لضمان العدالة وعدم مجاملته. ووضع جستينيان، مجموعة القوانين التى تؤكد فكرة أن المقصود من القانون هو حماية حقوق المواطن، وليس السيطرة عليه، إلا أن الإمبراطورية الرومانية فى عهد هادريان منحت طبقة الفرسان وظائف مدنية، وأدخلتهم فى سلك الخدمة المدنية. وحين زعزعت الحروب الأهلية أركان الإمبراطورية، وانتشرت الفوضى، واستولى الخوف واليأس على قلوب المواطنين، كان العلاج هو قيام حكومة تتسم بالصرامة والعدل فى آن واحد، وإعداد جيش قوى قادر على القتال، وتأمين حياة الناس وممتلكاتهم.. الإمبراطورية الرومانية أقامت سيادتها وعزها بالقوة والاستقرار والأمن، وليس بالفوضى الخلاقة أو الديمقراطية.

< كانت أثينا مدينة لها لك مقومات الدولة، وعاشت عصراً خلاقاً فى السياسة والاقتصاد والفلسفة والفنون. وكان النظام الديمقراطى السائد بمثابة تجربة رائعة؛ حيث الحكم بالتمثيل المباشر الذى يتم بالاقتراع. ولكن هذه الحضارة وهذا التمدن لم يستطيعا الصمود أمام قوة إسبرطة العسكرية فى الحرب البلوبنزية التى دارت بينهما، وفقد بعدها أفلاطون ثقته فى الديمقراطية، وأسس جمهوريته على النمط الإسبرطى.. الضعف دعوة مفتوحة للعدوان، والديمقراطية لم تحم أثينا من قوة إسبرطة، ولم تحقق لها الأمن والأمان والاستقرار، فالديمقراطية دون جيش يحميها لا نفع فيها ولا جدوى منها.

< محمد على باشا تخلص من المماليك وصادر معظم الأراضى الزراعية مثلما فعل سيدنا يوسف، وأصبح أكبر مالك، وسلب الفلاح عرقَه وحريتَه مثلما فعل المماليك، لكنه حفر القنوات، وشيَّد المبانى والمصانع والمدارس، وأسس جيشاً قوياً، وصنع مصر الحديثة دون اللجوء للديمقراطية.

< وحتى فى الحقبة الليبرالية التى سبقت ثورة يوليو، وظهور حزب الأغلبية وأحزاب الأقلية، لم تعرف مصر تداول السلطة بالطريق الدستورى من خلال البرلمان المنتخب, ولم تسقط حكومة واحدة بسحب الثقة البرلمانية, وإنما كان سقوط الحكومة أو تغييرها يتم بالإقالة، وفقاً لمراسيم ملكية.

فى ظل الحقبة الليبرالية، ظهرت فكرة التفويض المطلق فيما يتعلق بفرض الأحكام العرفية، وأعلن النحاس باشا أنه لا يجوز مناقشة حق مجلس الوزراء فى أن يفوض إلى الحاكم العسكرى- النحاس- كل إجراء يتعلق بصيانة الأمن والنظام، وأصدر مجلس النواب بأغلبية 185 صوتاً ضد خمسة أصوات قراراً بتوسيع اختصاصات الحاكم العسكرى، بل إن مجلس الشيوخ فى 5 مايو عام 1942 أجاز بصريح العبارة للحاكم العسكرى أن يعتدى على الحصانة البرلمانية، والامتناع عن التحقيق مع المعتقلين.. كان الوفد أحرص الأحزاب على الديمقراطية والحريات، ولكن عندما يتعرض الوطن للخطر، فإنَّ الديمقراطية تصبح أشد خطراً وأكثر وبالاً على المواطنين.

< يقول الفقيه الدستورى هارولد لاسكى، إنه لا بد أن يعقب الثورات والتحولات فترات انتقال تتعطل فيها الحريات.. ويقول جون ستيوارت ميل، فى كتابه «الحرية»: «الأصل أن الحرية لايجوز منحها للأمة، قبل أن تصبح على استعداد لإصلاح شئونها بالمناقشة المبنية على الحرية والمساواة، وما دامت الأمة لم تبلغ هذه الدرجة فليس لها غير الطاعة لشرلمانها وأكبرها». ويقصد «شارل الأكبر» الذى وحَّد كلمة فرنسا، وجلال الدين أكبر، الذى كان حازماً فى لم شتات مملكة المغول، والضرب على أيدى العابثين.

بعد أحداث الثورتين والإرهاب الذى يضرب طول البلاد وعرضها، هل نحن مؤهلون للديمقراطية؟ وإذا كانت الديمقراطية تعتمد فى قوامها على الممارسة، فهل تسمح الأوضاع الداخلية والخارجية الراهنة بالتجربة والخطأ؟. الديمقراطية وسيلة وليست غاية فى حد ذاتها.. أسلوب للحكم وأداة لإدارة البلاد، لكنها غير مأمونة العواقب فى كل الأحوال، ما لم تتحصن بالقوة والاستقرار.. أوضاعنا لا تحتمل ديمقراطية سابقة التجهيز يتبناها حفنة من وكلاء السفارات. لولا فساد النخبة والمجتمع المدنى وانتهازية رجال الأعمال لما لجأ الرئيس السيسى إلى الجيش ليبنى فى سنوات قليلة ما عجز سلفه أن يفعله فى ثلاثين عاماً. سوف نعطى السيسى الفرصة لاستكمال ما بدأه. الصواب ليس حكراً على أحد.. المؤيدون ليسوا كلهم شياطين، والمعارضون ليسوا جميعهم ملائكة.. ولا تبخسوا الناس أشياءهم.