رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الحوار الغائب

 

 

 

 

الحياة الإنسانية تطورت تاريخيًا بتطور السياسة واكتشافات العلم واستقرار الأديان.. وظل ما يميز المجتمعات المتحضرة عن الأقل تحضراً على طول التاريخ الإنسانى يتمثل فى تبنى فضيلة الحوار كغاية أصيلة تسهم فى رقى الإنسان والسمو به سلماً وحرباً.

مناسبة الطرح أننا بحاجة كمجتمع لأن نعلى من أهمية وقيمة أن نكون قادرين على الحوار فى كل الظروف وألا نستثنى أحداً من هذه الغاية النبيلة التى تساعد على تصفية دمامل الاحتقان وتدرب الناس على أهمية البحث عن برهان ليحاجج كل فريق الآخر بقوة الحقيقة وليس قوة العرف أو العشيرة.. فى مواسم الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية وحتى فى مناسبات الأحداث الرياضية المهمة ترتفع الأصوات وتلتهب الحناجر ويحترق المنطق وتتبخر الحقيقة.. لا أحد يسمع أحد وكل لا يسمع إلا نفسه ولا يصدق إلا منطقة ولا يتحسس إلا جرحه.. يوجهنا الله سبحانه وتعالى فى محكم آيات القرآن الكريم «ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِى هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ».

ومما يؤسف له أن لغة الحوار فى مواسم السياسة يتسلح معظم أصحابها بقدر مرعب من السوقية، ومن المثير للسخرية أن الكل يختبئ خلف شعارات الوطنية والشرف.. والمتأمل لحالة الشارع المصرى بصخبه وتكاتكه وضجيج أبواق السيارات وفوضى الإعلان وقبح طرز العمارة سيدرك أننا من الصعب أن نتحاور ومن المستحيل أن نجيد التفكير فى أى مسألة كانت.. وأعتقد أنه إلى جانب العوامل المؤسسية التى تسببت فى ظاهرة موت السياسة بمصر - هناك أسباب أخرى ليست أقل موضوعية وأهمية - نحن كمجتمع المسئولين عنها - أولها أننا مصابون بحالة عشى حضارى ولدينا نوع من أنواع «الأمية البصرية» وهو مصطلح سمعته لأول مره من صديقى الأستاذ الدكتور محمد كمال مصطفى.

ونحن بتراكم خبرات التخلف عبر قرون مضت لم يعد باستطاعة الجمهور الأكبر منا القدرة على الفهم الرشيد الذى يعين صاحبه على التمييز بين الغث والثمين -بين الحرية والقهر- بين الجمال والقبح -بين البشرى والمقدس- بين الحاكم والخالق.. وعلى ما يبدو فإن ستائر كثيرة قد نزلت وحجبت الرؤية عنا وابتعدت المسافة بين ما نراه وما نتمناه ومن طول البعد أصبحنا نصدق ما نتمنى على اعتبار أنه ما نرى.. وفى الذكرى الثامنة لثورة الخامس والعشرين من يناير أعتقد أن مراجعتى لأحداثها التى أشرف بأننى شاركت بها من لحظة البدء - أننى وغيرى تجسدت لنا أحلام طال انتظارها وعبرنا عنها هتافاً وخيالاً، وبعد لحظة الكشف التى تمثلت فى نهاية عصر وبداية آخر ظهر الوجه الآخر للحقيقة وهو أننا استمتعنا بنشوة حلم يعاديه الواقع.. وهذا الواقع أننا اكتشفنا عجزنا على الحوار الرشيد وأن أصواتنا وذواتنا أطول قامة من الأحلام والأوطان.