رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

مراجعات

اسألوا أنفسكم!

 

امتلكت مصر في الماضي، كافة المقومات التي جعلتها صاحبة حضارة خالدة على مر العصور، فكان لها الفضل على جميع الحضارات، لأنها ارتكزت على «الإنسان» الذي كان مؤهلًا للنهوض بعبء هذه الحضارة، من خلال تفاعله مع المقومات التي أنتجت هذا الإبداع الفريد.

كان الإنسان المصري «القديم» واثقًا من قدرته على الريادة، ولهذا أطلق على نفسه «شعب السماء»، أو «شعب النيل»، فهو الشعب «الذي خُلق من دمع العين»، وكل ما عداه من شعوب الأرض «خُلقت من سائل مهين»!

إن شعبًا يمتلك كل هذه المقومات «المادية والمعنوية»، كان لابد أن تأتي إبداعاته على مستوى ما تهيأ له منها.. ولكن، ماذا أصاب هذا الشعب، وماذا حلَّ به ليبتعد الآن عن ركب الحضارة الحديثة، وماذا طرأ على الشخصية المصرية من تغيرات في تركيبتها الاجتماعية، لتتبدل معها طباعها وسماتها التي تميزت واشتهرت بها؟!

لقد امتلك المصريون طوال تاريخهم مقومات ميزتهم عن غيره، فطبيعتهم ـ كما وصفها هيرودوت ـ تكمن في أن «لديهم القدرة على تمصير الوافدين إليهم»، فلا يذوبون في المجتمعات الأخرى، ولا يتأثرون بها، بل يظلون محافظين على هويتهم وخصوصيتهم.

هذا ما أثبته التاريخ طوال قرون، خصوصًا في ظل الغزو الفرنسي والبريطاني، حيث رأينا كيف قاوم المصريون الثقافتين الأنجلو ـ فرنسية، ورحل الاثنان دون أن يتركا بصمات تُذكر، تدل على وجودهما في المجتمع المصري، رغم انبهار بعض المثقفين بالثورة الفرنسية!

السنوات الأخيرة شهدت سلوكيات متغيرة، كحصيلة تراكمية لعوامل مجتمعية واقتصادية، وثقافية سلبية طغت على كثير من الناس، ما استتبع ذلك افتقارًا إلى ثقافة الحوار، وغياب المواطنة بمعانيها الحقيقية، أو حتى الانتماء الحقيقي إلى الوطن!

نحن الآن ـ أكثر من أي وقت مضى ـ أحوج ما نكون إلى ترسيخ تلك القيم والمعاني السامية، وتكريس المواطَنَة في نفوسنا.. وإذا كان حب الوطن فطرة، فإن التعبير عنه اكتساب وتعلم ومهارة، فهل قدَّمنا للناس ما ينمي عندهم القدرة على الإفصاح عمليًا عن حبهم لوطنهم؟

إن الانتماء وحب الوطن لا يحتاجان إلى شهادات أو وسطاء أو تجار شعارات أو صكوك من أحد، ولكن يبدو أن هناك بعض «الأدعياء» الذين يفرضون نوعًا من الوصاية على الآخرين، ممن لا يشاركونهم آراءهم!

هؤلاء «الأوصياء» على الناس، لم يعد ينفع معهم الشجب ولا الغضب، كما ولم تعد تجدي نفعًا النصيحة أو العظة، لأنهم في حالة تغريب عن ذواتهم، بل باتوا في حالٍ من الانحلال القيمي والأخلاقي، ولذلك لا نتوقع أن يحل عليهم التغير بفيض إلهي!

نتصور أننا لن نصل إلى أي تغيير منشود أو ترسيخ المعاني الحقيقية للانتماء، قبل أن نستوعب أن معركتنا الأولى، هي في ذات الإنسان ومدى وعيه وقيمه وسلوكياته، كما لن تحل علينا نعمة قبل أن تصبح الأخلاق ومعيارها من أهم أولوياتنا في التفكير.

أخيرًا.. رغم كل ما يعانيه المصريون من مآسٍ ومعاناة وفقدان للثقة، نستحضر كلمة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في خطابه ليلة رأس السنة، مستلهمًا خطاب الرئيس الأمريكي جون كينيدي الذي ألقاه في العام 1961: «اسألوا أنفسكم كل صباح، ماذا بإمكانكم أن تقدموا لبلدكم»؟!