رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

حــقـوق الإنـسان المفـترى علـيها

لم يتوهم أحد  أن حالة حقوق الإنسان فى مصر على امتداد السنوات الأربع الماضية ، وبالتحديد بعد ثورة 25 يناير ،بخير وتمام التمام. ولم يزعم أحد، حتى المجلس القومى لحقوق الإنسان ، أن تلك الحقوق  مصانة الآن مائة بالمائة وفقا لكل المعايير الدولية منذ ثورة 30 يونية . ولم يرسم أحد صورا وردية  زاهية لتلك الحقوق ، أو لوضع السجون المصرية ،أو لأماكن الاحتجاز المختلفة فى ظل الظروف الاستثنائية بالغة التعقيد التى مرت بها البلاد خلال تلك الفترة  التى تهدمت فيها معظم مؤسسات الدولة ، وتفككت وزارة الداخلية المنوط بها حفظ الأمن ، وجرى الاعتداء على جنودها وضباطها بشكل هستيرى منظم وممنهج ،بهدف رئيسى مرسوم ، هو اخفاء جرائم من ركبوا موجة هذه الثورة ، ونصبوا أنفسهم زعماء لها ،لتمهيد الأرض لجماعة الإخوان لاختطاف الثورة والدولة معا، بعد أن تم الترويج وسط بسطاء المصريين أنها جماعة وسطية  تقية نقية تخشى الله، وزاهدة فى السلطة والمال والنفوذ، ولم تجرب من قبل فى السلطة والحكم. وحين تبين للمصريين ،بعد أن جربوا حكمها  ، أنها جماعة موغلة فى الإقصاء، لا علاقة لها بالدين، وأنها تتاجر به لتشبع نهمها للسلطة والنفوذ، وجشعها لنهب المال العام وإنفاقه لاصطناع الحلفاء والمؤيدين  والمنتفعين، والأنصار، وتفريطها فى سيادة الدولة والوطن، وخيانتها للوطن الذى أقسمت على القرآن الكريم ثلاث مرات ان تحافظ على سلامته وكرامته وتصون أمنه واستقراه، حينئذ أطاح المصريون بثورتهم الشعبية غير المسبوقة فى الثلاثين من يونية، بحكم الجماعة ، رفضا للفاشية الدينية التى أشاعوها فى المجتمع ، ومنعا لحرب طائفية  أججوا نيرانها  مع شركائهم فى الحكم من السلفيين ،بحرق الكنائس والاعتداءات اليومية على أرواح وممتلكات المسيحيين ، فانتقلت الجماعة مع أنصارها إلى المدن والقرى المصرية وإلى جبال وأحراش سيناء، بعد فشلها فى  أن «تحكمنا» لتنفيذ برنامجها الحقيقى ، وهو أن «تقتلنا» «وتجيب عاليها واطيها «فى حرب إرهاب قذرة محكوم عليها بالفشل مهما طال أمدها . وكان من الطبيعى فى ظل هذه الحرب الشرسة أن تحدث تجاوزات وأخطاء تطال الحريات وحقوق الإنسان أعترفت بها الأجهزة المعنية المسئولة ، وسعت بجهد جهيد فى ظروف غير مواتية لتلافيها ، برغم أن من  يتحمل مسئوليتها بالدرجة الأولى،هم  من يصرون على مواصلة هذه الحرب ضد الدولة والمجتمع ومصالح الشعب المصرى.

هذه بديهيات يعلمها جيدا  بخبرته السياسية قبل الحقوقية  «بهى الدين حسن» مدير مركز القاهرة لحقوق الإنسان ، لكنه آثر إنكارها  وهو يلقى كلمته فى بروكسل أمام الجلسة الخاصة للجنة حقوق الإنسان فى البرلمان الأوروبى لبحث تطورات الأوضاع فى مصر الأسبوع الماضى، وهى كلمة تصيب المرء بدهشة وخيبة أمل من حجم المبالغات التى انطوت عليها، ومن روح العداء الراغبة فى الثأر والانتقام والتشويه المتعمد للحقائق ، ولا تخدم القضية التى يزعم الدفاع عنها، بل هى  فقط  تقدم دعما غير مسبوق لكل الأكاذيب التى تروج لها جماعة الإخوان وأنصارها فى الداخل والخارج ،حول حقيقة ما يجرى داخل مصر!

وفى كلمته التى نشرها الزميلان « هدى رشوان « و«محمود حسونة» فى صحيفة الوطن السبت الماضى قال» بهى الدين حسن إن مصر تحولت إلى جمهورية للخوف،بعد أن غابت عنها السياسة ، وتحكمت إدارتها الحالية فى مجريات العملية السياسية «دون محاسبة أو رقابة» –كما يقول-وأن الانتخابات البرلمانية تأجلت أكثر من مرة، دون تاريخ معلوم لإجرائها حتى الآن. وقال إن الحكومة المصرية توجه ضرباتها الموجعة إلى كل الأطراف« والفاعلين السلميين» إسلاميين وعلمانيين، مستغلة فى ذلك لافتة الحرب على الإرهاب ، كذريعة للحرب على الحقوق والحريات الساسية للأفراد من كافة الاتجاهات السياسية ، وأنها تنتهك بشكل متكرر الحق فى الحياة ، ولا تحاسب مرتكبى انتهكات حقوق الإنسان، فى ظل تسيس منظومة العدالة المصرية ، وإهانة شبه يومية للقانون والدستور بالأحكام الجماعية بالإعدام ، أو بأحكام المؤبد القاسية بحق مئات من الشباب العلمانيين الذين شاركوا فى صناعة ثورة 25 يناير . وقال ، وكما تستخدم الحكومة لافتة  الإرهاب  فى مواجهة الجماعات الإرهابية كمبرر لقمع الحريات، فإن تلك الممارسات تغذى حتما هذه الجماعات ، وتجعلها تكسب مزيدا من المتعاطفين والموالين لها.!!!

قد يكون  لدى «بهى الدين حسن»  بعض العذر فيما قاله ، لأنه لم يعد يعيش فى مصر منذ شهور طويلة ، وكان موقع خبري من المحسوبين على جماعة الإخوان المسلمين قد ذكر أنه نقل المقر الرئيسى لمركز القاهرة لحقوق الإنسان  الذى يديره إلى جنيف، وترك فرعين له فى القاهرة وتونس ، وأنه طلب  حق اللجوء السياسى إلى سويسرا بزعم أن حياته فى مصر باتت مهددة  بالخطر  بالرغم أنه لم يكن ملاحقا أمنيا أو قضائيا ،ولم يحرص بهى أن يكذب هذا الخبر . ومن المعروف أن زوج ابنته «علاء عبد الفتاح» محبوس على ذمة قضايا جنائية لاعلاقة لها بالسلمية أو «من يسميهم  الفاعلين السلميين» الذى تحدث عنهم أمام البرلمانيين الأوروبيين من قريب أو بعيد ، ولم يكن من قبيل الصدفة أن يستخدم امامهم مصطلح العلمانيين الذى يستهويهم!.

أول ما يلفت النظر فى هذه الكلمة التحريضية السافرة أنها لاعلاقة لها بالخطاب الحقوقى بشكل نهائى ، فما ورد بها هو آراء سياسية تتخذ من حركة حقوق الإنسان وسيلة وغطاء للتعبير عن آراء ساسية فجة ومنحازة، تطلق فى غيبة من ضمير حى ، أحكاما عامة لادليل واحدا عليها، ربما كى تبرر لنفسها طلب اللجوء السياسى لدولة اوروبية ، وتزعم لنفسها بطولة  زائفة لم تقدم عليها. فمن هو ياترى الذى ينتهك الحق فى الحياة؟ الإرهابيون الذين يقتلون جنود الجيش والشرطة والمدنيين ن ويستخدمون أسلحة ثقيلة فى الهدم والدمار والتخريب ،أم هى القوى الأمنية التى تخاطر بأرواحها للدفاع عن مواطنين مسالمين ينتهك هؤلاء الإرهابيون حقهم فى الحياة ؟ وأليست أحكام الإعدام الجماعية التى لم تنفذ بعد ويبقى أمامها مراحل أخرى للتقاضى للطعن عليها قبل أن تصبح نهائية ، قد صدرت بحق متهمين بالتواطؤ والاشراف على عمليات قتل وتعذيب جماعية لرجال شرطة مثلوا بجثثهم ، وحرق كنائس وتهجير مسيحيين ؟ ألا تؤدى عقوبة الإعدام فى كل الدول التى تأخذ بها ،بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية، وظيفة اجتماعية تستهدف الردع ، وليس فقط معاقبة المتهم الذى ارتكب الجريمة للحيلولة دون استمرار هذا النوع من الجرائم؟ ومن هم مئات العلمانيين الذين صدرت بحقهم أحكام المؤبد القاسية ، وما هى اسماؤهم، وكل هذه المتاجرة بحقوق الإنسان تخص اربعة أو خمسة اسماء تحاكم بجرائم جنائية لا سياسية ؟ ومن هى كافة الاتجاهات التى صدر بحق أعضائها أحكام بالأشغال الشاقة ، هل هم الوفديون أم التجمعيون أم المصريون الأحرار أم غيرهم فى بلد بات به ما يزيد علي مائة حزب، أم هو مجرد كلام مرسل لزوم التحريض والمتجارة، ينطلق من فهم خاطئ ، ورؤية لا علاقة لها بمنظومة حقوق الإنسان؟

وهل الحرب الباسلة التى تخوضها مصر حكومة وشعبا على الإرهاب هى «لافتة» وهل هذه اللافتة تساوى الثمن الباهظ  الذى تدفعه قوات الجيش والشرطة  فى التصدى لها؟ وهل ما يجرى فى مصر من عمليات قتل وتفجير وهدم وإراقة يومية للدماء هو تمثيلية ، أم أن اللافتة والتمثيلية هى ما تقوله لتحرض به الأوروبيين علينا وعلى أمننا وعلى استقرار وطننا ؟ فعلا لقد تحولت مصر إلى جمهورية خوف. الخائفون فيها قلوب أمهات وزوجات وابناء وآباء تتمزق يوميا ، ليس خوفا ممن يحكومونهم ، ولكن خوفا على ابنائهم الجنود والضباط ، ممن يقتلونهم ومن يبررون لهم هذا القتل فى هذه المعركة التى فضت عليهم.لكن يغدو منطقيا أنه حين تغيب الضمائر ، يصبح كل شىء مستباحاً، حتى المتاجرة بالام الأوطان تحت «لافتة « الدفاع عن حقوق الإنسان، وتحتها ترتكب أخس الجرائم وأكثرها دونا حقارة!