رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

لماذا لا أكتب عن القدس؟

على عكس الكثيرين لم أجد لدى أى رغبة فى الكتابة عن القدس وقرار ترامب باعتبارها عاصمة لإسرائيل، ليس عدم غيرة أو قلة نخوة لا سمح الله ولكن بسبب حالة قرف اعتبرت معها أن الأمر، الكتابة من عدمه، تحصيل حاصل. قل لى بالله عليك كم مقالة وكم عمود وكم خبر سودت بها صفحات الصحف وملأت فضاء الإعلام الإلكترونى نواحا وصراخا من قلوب مكلومة بحق وحقيقى على القدس؟ دون حصر دقيق.. أقول لك العدد فى الليمون!

هذه كلمات ليس دافعها أو مبتغاها، وأعوذ بالله من ذلك، بث روح الهزيمة أو اليأس، ولكن موقفى ينطلق من مبدأ أن فعل الكتابة إذا لم يأت بحصاده فليس له أى لزوم. أزيدك من الشعر بيتا، فأقول لك إننى كنت أحرص على تجنب متابعة الأخبار حول الموضوع، حرصا على حالتى الصحية وعدم تدهورها. قد يكون ذلك تطبيقا عمليا لسلوك النعامة التى تدفن رأسها فى الرمال.. ورغم أنه سلوك غير محمود، إلا أنه فى أحيان محددة قد يكون مطلوبا.

ولكى يسرى كلامى إلى عقلك قبل قلبك أقول لك إن قضية القدس – فى تقديرى البائس – فى ظروفنا الحالية لا ينفع فيها كتابة أو غير كتابة، وإنما ما ينفع فيها الفعل، والفعل لا يأتى من الأفراد وإنما من الأنظمة، وهذه الاخيرة ضعيفة وفى أكثر حالاتها وهنا.. ليس ذلك فقط، بل إن بعضها متواطئ.. وأكتفى بذلك دون تفصيل. والمأساة أن الشعوب بالمثل – وهذا منطقى فى عدم التعويل عليها - فى أكثر حالاتها تراجعا فى مواجهة أنظمتها، ما يعنى فى التحليل النهائى أنه ليس هناك فائدة.

هل نستسلم؟ هل نتلقى الصفعة ونقول «كمان»؟ ليس هناك منطق لمثل هذا القول، والترويج له خيانة، ولكن لا بد من التعويل على بدائل أكثر عقلانية وعملانية. ليس من بينها بالطبع ذلك الطرح الذى راح البعض يردده بأن يتم السماح للمسلمين والمسيحيين بالذهاب إلى المدينة المقدسة لتجاوز حالة القطيعة معها، أو ما ذهب إليه آخرون من ضرورة نقل السفارات العربية – سفارة لبنان تحديدا كما أعلن – إلى القدس.. فهذه كلها إجراءات عنترية وهمية لا تقدم ولا تؤخر.

لا أريد أن أصدمك عزيزى القارئ أكثر من ذلك وأقول لك لو أنك قارئ جيد للتاريخ فقد تستهون ضياع القدس، فى سياق أحداث تاريخية عديدة عربية وغير عربية، تحولت فيها مصائر أمم وشعوب فى ظروف محددة لا لشيء إلا لضعف انتابها وتسرب إليها فى الصميم. لا أخفيك أننى قرأت تاريخ الأندلس بتفاصيله وحذافيره حتى أكاد أن أحفظه عن ظهر قلب، وكانت أذرف الدمع وأشعر بالقلب يدمى لأحداث مرت عليها أكثر من ثمانية قرون وعلى الهوان الذى كان عليه المسلمون هناك ما أدى إلى ضياعها، إلى الحد الذى أصبح الوجود الإسلامى هناك مجرد ذكرى من ذكريات التاريخ. القضية الفلسطينية وفى القلب منها القدس، مع الفارق فى جوانب معينة، استنساخ لهذه التجربة التاريخية بكل حذافيرها.

ترامب لن يرتدع بقرار من مجلس الأمن يملك منع تمريره بمقتضى حق الفيتو الذى تتمتع به بلاده، وأمريكا لن تأبه برفض دولى عارم يندد بموقفها، فالعلاقات الدولية لا تعرف سوى لغة القوة ليست شرطا القوة العسكرية، وإنما القوة بكافة معانيها، والمشكلة أننا نملك بعضها إن لم يكن أكثرها، ولكن لا نملك إرادة استخدامها سواء كنا أنظمة أو شعوبا.. وتلك هى المأساة فى أكثر تجلياتها! ولله الأمر من قبل ومن بعد!

mostafa [email protected]