رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

في عزاء «مكاوي سعيد»

وجع حقيقي طرق أبواب قلبي، وحزن عميق دغدغ أجهزة جسدي، وحاصر الغمام والتراب والزحام أشعة الشمس الهزيلة التي تشرق عليّ، وحاصرت الكلوبات والأدخنة وأبواق السيارات القمر ولم تعد تناوشه بنات الحور أو نجمات تتألق ثم تخفو، أو شهاب كاسح يزلزل السماء.

لم يداهمني الوجع بهذا الشكل منذ رحيل والدي، ولم أر هذا الحزن يتغلغل في نفوس من حولي منذ عزاء كل من عمنا خيري شلبي وعلاء الديب، ولم أشاهد الدموع تترقرق في عين زوجتي بهذا الشكل منذ رحيل أستاذنا إبراهيم إصلان.

كل ذلك حاصرني خلال الأيام الماضية فور سماعِ نبأ رحيل الروائي مكاوي سعيد، فلم يكن مكاوي سعيد مجرد روائي أو قاص، نحبه أو نحب أعماله ونتحدث عنها ثم نطويها وننساها، ولم يكن هو الشخص الذي نلتقي به كلما مررنا على منطقة وسط البلد، أو كلما جلسنا نستريح على مقهي زهرة البستان أو تناقشنا في ندوة في إتيلية القاهرة.

فقد كان مكاوي سعيد ملك للجميع، كما كان من ذكرتهم ملك للجميع ايضًا، لذا جاء رحيله الهادي والموجع، بهذا القدر من الدهشة وعدم القدرة على التصديق، وبالتالي فنحن- جميعنا- ننتظر أن نلتقي به في أحد منعطفات شوارع وسط البلد، أو نراه يبتسم لنا في أحد المقاهي، أو يدعونا لاحتساء كوب شاي على حسابه.

وهذا التألق الموجع، يجعلنا نبتهج أنه رحل بهذا السخاء الإنساني الذي نبحث عنه في بعض الأشخاص، حب حقيقي دون زيف ودون ادعاء، حتي ولو كانت معرفتنا به مجرد تواصل على الفيس بوك أو عبر الهاتف، فنحن نعلم أنه يتابع ويقرأ ويجتر كل ما تقع عليه يعنيه ويمسكه بيده، وكان يعلم أن لا أمل له إلا الكتابة، وأن أي وجع لن ينقذنا منه إلا الكتابة، ولن ترسم على وجوهنا أي ابتسامة إلا بسبب الكتابة.

وهكذا تحول هذا الروائي من كتابة على الورق إلى كتابة من لحم ودم ومعاناة وحب وذكريات وحكايات، وهكذا خرجت شخصياته تمرح وتتجول وتبكي وتحمل النعش وتتقبل العزاء وتصرخ خلف جثمانه وهي تودعه، كما تحول من سبقه سواء كان  مستجاب الأب أو خيري شلبي أو ابراهيم اصلان أو علاء الديب- وغيرهم.

هذه هي المحبة التي يتركها هؤلاء البسطاء العظماء، وهكذا يجب أن تعلمنا الكتابة، أن نحيا بها، ونحارب بها، ونموت بها، وندفن بها ايضًا مثلما حدث مع « مكاوي سعيد».