رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

نظرة تأمل

خيارات «كلينتون» وأوراق «الخريف» العربي!

لماذا أسموها ثورات الربيع العربي؟ سؤال توقفت أمامه كثيرا متأملا وباحثا عن أسباب هذه التسمية التي يراها كثيرون أنها خادعة لأن الربيع فصل التقلبات إلا أنه يتميز بالطقس المعتدل وتفتح الزهور ويغلب عليه الشعور بالتفاؤل ويقابله الخريف الذي يفصل بين الصيف والشتاء وبه يتم الانتقال من الحر الى الزمهرير والعواصف والرعود.

جاءتني هذه الأفكار وأنا أقرأ كتاب (خيارات صعبة) لهيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة الذي يعتبر مذكراتها في الفترة من 2009 حتى 2013، وسرعان ما يكتشف القارئ أن هناك ثمة خطأ موضوعي وقع فيه من  وصف الثورات التي قامت في عدد من الدول العربية مثل تونس ومصر وليبيا واليمن اعتبارا من اواخر خريف العام 2010 بأنها ثورات الربيع العربي لأن الواقع يؤكد أنها ثورات الخريف وليس الربيع!

وخدع من صدَق أن الربيع العربي مقرونا بالفوضى الخلاقة - نظرية كونداليزا رايس - حيث إن الشواهد تؤكد أن الفوضى كانت هدامة وفي أحيان كثيرة مغرضة ومتـآمرة والحقيقة أن العين اعتادت أن ترى مظاهر الفوضى أمرا ملازما للخريف، والطريف أن بداية هذه الثورات بلغة الحساب والتاريخ لم تكن ربيعا بل كانت خريفا وأقرب ما تكون للشتاء لكن من باب الرومانسية الثورية وتأثرا بالثورة البرتقالية في أوكرانيا عام 1993، اقترنت الثورات العربية بالربيع فكان الربيع العربي.

وهنا أعود الى مذكرات رئيسة الدبلوماسية الأمريكية في الفترة من 20 يناير 2009 حتى 1 فبراير 2013 عندما تحدثت عن دول الربيع العربي فتصف الربيع بـ«الثورة»، وتسعى إلى التأكيد على أنها كانت تشدِّد على ضرورة الإصلاحات وتذكِّر بخطاب وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس في القاهرة 2005 حين اعترفت بقولها « لنصف قرن فضَّلت أمريكا الاستقرار على حساب الديمقراطية.

ويظل السؤال هل كانت الدول العربية او على الأقل الدول المذكورة تحتاج فعلا الى ثورة؟ أتصور أن مصر – احدى دول الربيع العربي - مثلا كانت بالفعل في حاجة الى ثورة على أوضاع داخلية عشش فيها الفساد واتسعت الهوة بين الاغنياء والفقراء لدرجة أن الطبقة الوسطى التي كانت نتاج ثورة الثالث والعشرين من يوليو 1952 تزحزح مكانها من الوسط وتدنى الى حد خط الفقر، وهنا قالت كلينتون في مذكراتها حين تصل إلى الرئيس الأسبق حسني مبارك تصفه بأنه حكم البلاد لثلاثة عقود كفرعون وبسلطات مطلقة، وتضيف  إن مصر التي وصفها المؤرخون بـ«سلة غذاء»، أصبحت أكبر مستورد للقمح في العالم، فضلاً عن إدارة سيئة للاقتصاد وسجل سيئ في مجال حقوق الإنسان وانتهاك للحريات الأساسية - على حد قولها - ومن ثم  كانت الحالة الوطنية متسقة مع أي دعوة للتغيير وعليه جاءت ثورة اللوتس المصرية في الخامس والعشرين من يناير عام 2011 واصبح على مروجي نظرية الفوضى الخلاقة دور مهم في اشتغال هذه الثورة أي تحويلها الى مسار جديد ظاهره الثورية وباطنه هدم الدولة المصرية وللأسف انطال هذا التوجه على كثير من الثوريين ومن يسمون أنفسهم النخبة ومن هنا حدث تناقض رئيسي بين أهداف الثورة في الحرية والكرامة الانسانية والعيش والعدالة الاجتماعية ومخطط هدم الدولة ونشر حالة عدم الاستقرار ما أتاح الفرصة لسرقة الثورة من قبل المتربصين بها والأكثر تنظيما حينئذ وهم فصيل الإخوان الذي رأت «كلينتون» فيهم الخيار الأصعب لكنه الأكثر امكانية للتعامل معه.

وبعد ما يقرب من ثلاثة أعوام كان من الطبيعي ألا تستكين الجماهير للوضع المرفوض فقررت الثورة من جديد على ما هو قائم لتعديل المسار، ومن ثم قامت ثورة الثلاثين من يونيه عام 2013 على حكم الإخوان.

وهنا اصطدمت الاطماع الخارجية والتحالفات الإقليمية بيقظة الشعب المصري الذي كان عليه أن يعيد ترتيب البيت من الداخل بإنجاز استحقاقات تحول حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي الى حالة استقرار مجتمعي شامل وتتواكب معه عملية تنمية مستدامه في كل مجالات الحياة واستلزم ذلك سياسة خارجية إيجابية وفاعلة تسترد بها مصر دورها القومي والشرق أوسطي والقاري.