رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أضغاث أحلام أمريكية!

بعيدا عن الشعارات البراقة ومسوح القديسين نجد أن تطورات الموقف الأمريكي من الصراع السني- الشيعي المتفاقم في الشرق الأوسط، والاحداث تثبت يوما بعد يوم أن الولايات المتحدة لا تنحاز بشكل مطلق لأي معسكر، وتتخذ مواقف غامضة ومتناقضة، وتعتمد فى سياستها أسلوب اللعب على عدة حبال وخاصة أن البيت الأبيض يقدِّر أن التدخل بطريقة منحازة لطرف على حساب طرف آخر سيسبب تهديدًا للمصالح الحيوية الأمريكية في المنطقة وخسارة كبيرة، ولهذا فإنه يكتفي بالعمل على تحقيق أهداف محددة، مثل الوقاية من الهجمات الإرهابية، دون الاختباء وراء الشعارات التي كان يطلقها بوش حول نشر الديمقراطية وبناء الشرق الشرق الأوسط الجديد.

لقد وجدت الولايات المتحدة وجدت نفسها مجبرة على القيام بتغييرات هامة في مواقفها، ظهرت بشكل خاص من خلال المساهمة في معارك تكريت وتوجيه ضربات جوية لمساندة الجيش العراقي وحلفائه من الميليشيات الشيعية، وهو ما يعني أن موقفها المعادي لتنظيم الدولة لم يترك لها خيارًا غير الوقوف في نفس الجانب مع إيران. ولكنها فى نفس الوقت تقدم الدعم اللوجستي والاستخباراتي لتحالف الدول العربية في عملية عاصفة الحزم، المستهدفة الميليشيات الحوثية التابعة لإيران في اليمن.

وقد وصل هذا التعاون إلى درجة تشكيل غرفة عمليات مشتركة لوضع تفاصيل هذه العملية...وفى الوقع أن «هانز مورجنتاو»، مؤسس نظرية العلاقات الدولية المعاصرة- وأحد أهم منتقدي حرب فيتنام على أساس أخلاقي، له كتاب بعنوان «الغاية من السياسات الأمريكية»، يرى  ان الأحداث تؤكد أن أمريكا لم ترق للمبادئ السامية بشأن ما يقال عن نشر الحرية والعدالة حول العالم لأمريكا.

وقد تطرق للسياسة الأمريكية الرافضة لإعلان الانحياز المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما في كتابه «المصلحة الأمريكية»، وشبهها بالسياسة التي انتهجتها انجلترا في أوروبا على مدى عقود. ولكننى أرى أن كتاب الذهاب الى طهران. للمؤلفين: فلينت ليفريت وهيلاري مان ليفريت أكثر توصيفا لحقيقة تصرفات  أمريكا على مرّ السنوات، فلقد قامت واشنطن بين الحين والآخر بالتقرب من طهران بطرق متعددة ، إلا أن هذه الجهود الدبلوماسية أعيقت جرّاء السياسة السلبية لأمريكا حيال الملف الإيراني. ولم يسع أي رئيس أمريكي –ولا باراك أوباما - إلى التصالح مع الجمهورية الاسلامية عبر النظر في التعامل معها على أنها كيان سياسي شرعي والنظر في مصالحها المركزية.

وعوضا عن ذلك، قنعت الولايات المتحدة بمقاربة استراتيجية متناقضة «مزدوجة المسارات»، تعرض فيها، بين الحين والآخر، فرص التحاور عن بعض الأمور التي لن تشكل نقاط جذب لطهران، وفي التوازي تصعّد من الضغوط عبر فرض العقوبات الأحادية والجماعية. وإذا كانت أمريكا تخبطت فى قراراتها على مرّ العقدين الماضيين منذ مؤتمر مدريد، فإن إيران نهضت كلاعب مركزي في أهم المسارح السياسية والاستراتيجية في المنطقة، وهو الصراع العربي الإسرائيلي، ومصير أفغانستان والعراق، وانتشار السلاح النووي.

لقد أصبحت إيران، على إثر ذلك، أكثر الدول حسماً في واحدة من أكثر مناطق العالم أهمية، في وقتٍ باتت الولايات المتحدة عاجزة عن تحقيق أهم أهدافها وأعلى أولوياتها بدونها. وخلافاً لتمنيات الكثير من المحللين السياسيين الأمريكيين وفي إدارة أوباما، فإن التطورات في الشرق الأوسط منذ اندلاع ما يسمى بالربيع العربى، جعل ايران أكثر جوهرية في تشكيل مستقبل الشرق الأوسط. في سوريا، والوساطة الإيرانية هي شرط ضروري من أجل التوصل لحلول تفاوضية لتلك الحرب الأهلية.

والكتاب يؤكد أن الولايات المتحدة كانت على شفا فقدان موقعها الاستراتيجي في الشرق الأوسط، وبعواقب كارثية محتملة لمركزها العالمي. والطريقة الوحيدة لتأخير هذه النتيجة هي أن تتقرب من الجمهورية الاسلامية. وللأسف أن أوباما أعطى مصطلح التقارب «engagement» مفهوماً سيئاً جداً، عندما زعم أنه حاول مدّ يد التقارب لطهران لكنها باءت بالفشل، في حين أن الحقيقة تقول إنه لم يحاول فعل شيء أبدا. لأن التعامل مع إيران يعني التعامل معها كما هي، لا كما يتمناها أن تكون.

ولكن من الصعب على الأمريكان النظر بموضوعية لدولة تؤسس لنظامها السياسي على مفهوم الحكومة الإسلامية التي تخالف النموذج الفكري الغربي في الليبرالية. وقبل عقود من الزمن، أقر العالم البارز لويس هارتز أنّ «هنالك نزعة قهرية عميقة من الاستبداد غير المكتوب» في الأعراف الليبرالية الأمريكية، وتلك ديكتاتورية ليبرالية تمنع تطبيقاتها الابداعية في الخارج عن طريق خلط ما هو أجنبي وغريب، بما هو غَامِض وعصي على الفهم.

 وفي السنوات الأخيرة، فإن هذه النزعة الأمريكية أصبحت جلية وعلى وجه الخصوص في شئون الشرق الأوسط وعلى الأخص تحديداً في ملفات الشأن الإيراني. وكنتيجة طبيعية لذلك، فإن نقاشات الداخل الأمريكي حول إيران امتلأت بالآراء الجاهلة وأجندات صراع الرأي، فانتهت الى تكوين أساطير قوية جداً عن إيران وعن سياستها الخارجية وسياستها المحلية، وعن الطريقة المثلى لتعامل الولايات المتحدة معها. على رأسها ان الجمهورية الاسلامية هي كيان سياسي غير ناضج، لا يدفعه شيء سوى الإيديولوجيا، وهو كيان غير قادر على بناء رؤية لسياساته الخارجية وفق مصلحة وطنية ملموسة. وأن إيران تنظيم سياسي غير شرعي مزعزع تحدق به مخاطر الانهيار من الداخل. وأنه عبر التنسيق الدبلوماسي العملي والضغوط الاقتصادية، والتدابير العسكرية، فإن الولايات المتحدة قادرة على عزل الجمهورية الاسلامية، على الصعيدين الاقليمي والدولي، تسهيلاً وتهيئة لانهيارها. ولكن كل هذا أثبتت الأيام أنه أضغاث أحلام فاقت منها أمريكا واضطرت صاغرة للتعامل مع إيران كدولة ند للولايات المتحدة.