رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هدف داعش الاستيلاء علي العرش السعودي (1)

اتضحت كل تفاصيل مؤامرة الاستعمار الأمريكي لتدمير دول الشرق الأوسط وإعادة إنشاء شرق أوسط جديد مفتت في دويلات متعادية علي أساس عرقي وطائفي وديني.. ونشرت خريطة الشرق الأوسط الجديد في مجلة الجيش الأمريكي الرسمية عدد يونية سنة 2006، لمن يريد الرجوع إليها، وخلق الاستعمار الأمريكي تنظيم داعش الإرهابي ليكون أداته في إنشاء الشرق الأوسط الجديد، وقام بتسليحه وتمكينه من الاستيلاء علي أجزاء كبيرة من شمال العراق وسوريا وإعلانها دولة إسلامية تحت قيادة أفّاق يدعي أبوبكر البغدادي، الذي أعلن نفسه خليفة للمسلمين وارتكب سفاحوه أبشع وأحط جرائم القتل والاغتصاب، ويعمل الإعلام الغربي بإصرار شديد علي ترسيخ مفهوم دولة الخلافة الإسلامية بدل الوصف الحقيقي لعصابة داعش الإرهابية.. وذلك حتي يعتاد العالم عموما وشعوب الشرق الأوسط خصوصا علي أكذوبة أن هناك دولة جديدة بالمنطقة هي دولة الخلافة الإسلامية.

وكعادة الاستعمار الأمريكي تلجأ أبواقه الدعائية الي خلط الأوراق ومزج الأكاذيب بأنصاف الحقائق حتي تتوه الصورة تماما في ذهن القارئ، وأمامنا في هذا المقال مثال حي علي هذه الألاعيب الشيطانية بالنسبة للسعودية، فقد كان التخطيط الموضوع في خارطة الشرق الأوسط الجديد بالنسبة للسعودية هو تقسيمها أربعة أقسام، الأول بمثابة ڤاتيكان إسلامي يضم مكة والمدينة ولا يقتصر علي المذهب الوهابي السائد رسميا في السعودية بل يكون من حق كل الفرق الإسلامية بما فيها الشيعة ممارسة شعائرها داخل نطاق هذا الڤاتيكان الإسلامي والقسم الثاني هو فصل الشمال المتاخم للأردن عن السعودية وضمه للأردن لاستيعاب أكبر عدد من اللاجئين الفلسطينيين، والقسم الثالث في الجنوب المتاخم لليمن ويفصل عن السعودية ويضم لليمن، والقسم الرابع والأخير هو المنطقة الشرقية علي الخليج حيث تعيش أغلبية شيعة السعودية وحيث يوجد أكبر مركز بترولي في العالم وهو رأس تنورة الذي تصدر منه السعودية يوميا ثلثي إنتاجها النفطي أي حوالي ستة ملايين برميل، وهذا القسم يفصل عن السعودية ويضم للدولة الشيعية الكبري المزمع إنشاؤها حيث تضم هذا القسم ومنطقة جنوب العراق الشيعية وجزءا من إيران.

وبعد أن مكن الاستعمار الأمريكي تنظيم داعش الإرهابي من الانتشار في شمال العراق وسوريا وإعلان ما يسمي بالخلافة الإسلامية بدأ التنظيم الإرهابي يتطلع الي مد نفوذه في السعودية طمعا في الاستيلاء علي الأماكن المقدسة في مكة والمدينة حتي يكون الإرهابي الأفّاق أبوبكر البغدادى خليفة للمسلمين يسيطر علي أماكنهم المقدسة، ويبارك الاستعمار الأمريكي سرا هذا الطموح للخليفة المزعوم فهذه هي الطريقة المثلي لأن يستمر العرب في قتل بعضهم البعض الي أقصي حد ممكن لكي تتحقق أمنية الصهيوني الشرير العجوز كيسنجر في أن يقل عدد العرب ما أمكن في المنطقة علي أمل أن يصل تعداد اليهود فيها مستقبلا الي نصف عدد سكانها.

وحتي يمكن خلط الأوراق تماما في ذهن سكان المنطقة، أمامنا مثال حي في صورة أحد أبواق أمريكا النشطة وهو ألستير كروك الذي نشر مقاله الشهير من جزأين يزعم أنه تحليل تاريخي لجذور عصابة داعش الإرهابية، وطبعا ينكر أي دور للاستعمار الأمريكي في إنشائها، يقول كروك: «إن داعش قنبلة موقوتة حقا وضعت في قلب الشرق الأوسط، ولكن قوتها التدميرية لا تكمن في قطع الرؤوس والاستيلاء علي المدن لتطبيق عدلها الوحشي، بل تكمن قوتها الحقيقية في اجتذاب الشباب المسلم اليها وترسانتها المهولة من الأسلحة ومئات ملايين الدولارات التي تملكها، وعلينا في الغرب أن ندرك أنه ليس في استطاعتنا الآن أن نفعل شيئا لمواجهتها، بل علينا أن نجلس ونراقب ما يجري، فقوة داعش التدميرية تكمن في انفجار السعودية من الداخل بدل أن تكون حجر الأساس لشرق أوسط حديث، علينا أن نفهم أن الغرب لا يستطيع حاليا إلا مراقبة ما يجري، فأساس القوة المدمرة لداعش في الواقع، كما يقول المحلل السعودي فؤاد إبراهيم استخدامها المتعمد لعقائدها وللغة محمد عبدالوهاب مؤسس الوهابية في القرن الثامن عشر بالتعاون مع ابن سعود في المشروع السعودي.

فيقول أبوعمر البغدادي أول أمير للمؤمنين في دولة العراق الإسلامية سنة 2006 إن مبادئ دولته القادمة تثبيت الاعتقاد في وحدانية الله التي هي الهدف من الخليقة، لذلك علينا دعوة العالم كله للإسلام، ولذا فليس غريبا أن فكر محمد بن عبدالوهاب والتعليق عليه واسع الانتشار في المناطق التي تسيطر عليها داعش ويتم تدريسها بها.

ويضيف البغدادي أن هناك جيلا من الشباب تم تدريبه علي المبادئ المنسية عن الطاعة وإنكار الذات أما ما هي هذه المبادئ المنسية للطاعة وإنكار الذات فهي أفكار محمد بن عبدالوهاب عن الإيمان بإله واحد هو الجدير وحده بأنه يعبده البشر، ولا يكفي أن يردد الإنسان ذلك ليكون مسلما حقا، فعليه - رجلا أو امرأة - أن يرفض أي معبود آخر، وتضم قائمة محمد بن عبدالوهاب العديد من الأشياء التي يعتبر الاعتقاد فيها شركا بالله، ولذلك فعلي المسلم أن يعتنق المذهب الوهابي أو يقتل وتؤخذ زوجته وأولاده عبيدا وتصادر ممتلكاته، وأضاف ابن عبدالوهاب أن مجرد الشك في مبادئه يكفي سببا في قتل المتشكك.

ومن خلال هذا التبني لأفكار ابن عبدالوهاب فإن داعش تشعل عمدا فتيل انفجار إقليمي ضخم، وهو انفجار يحمل في طياته لو نجح احتمال تغير الشرق الأوسط تماما، ووجهة نظر فؤاد إبراهيم كما أعتقد ليست مجرد إعادة إحياء التطرف الفكري الوهابي، ولكن إحياء شيء آخر مختلف تماما، وهو أنه رغم تبني داعش للغة الفكر الوهابي فإن داعش تهدف الي شيء مختلف تماما، فقد كان الفكر الوهابي المثالي الذي وضعه ابن عبدالوهاب هو أساس المشروع السعودي كله الذي سحق العثمانيين بعنف شديد سنة 1818، ولكن عاد للظهور سنة 1920، حاملا في طياته جرثومة فنائه.

ومن سخرية القدر أن مغامرا بريطانيا هو الذي ساعد في ظهور المشروع السعودي سنة 1920، فالضابط البريطاني الذي التحق بخدمة عبدالعزيز بن سعود كان اسمه هاري سان چون فيليبي. وكان والد ضابط المخابرات البريطاني كيم فيلبي الذي جندته المخابرات السوفيتية وأصبح أشهر عميل للاتحاد السوفييتي في الغرب، كان فيلبي الأب مستشارا للملك عبدالعزيز بن سعود بعد أن استقال من خدمة الحكومة البريطانية، وظل حتي وفاته أحد أقوي المستشارين حول الملك عبدالعزيز بن سعود، واعتنق الإسلام علي المذهب الوهابي وغير اسمه الي عبدالله فيلبي، وكان فيلبي قوي الإرادة جدا وصمم علي جعل صديقه عبدالعزيز حاكما للجزيرة العربية، ولم يكن طموحه هذا نتيجة تعليمات سرية من الحكومة البريطانية وعندما شجع عبدالعزيز علي أن يوسع رقعة ملكه في إقليم نجد شمالا وأمرته الحكومة البريطانية بأن يتوقف لم يفعل ذلك، وكان عبدالعزيز يعلم أن بريطانيا وعدت مرارا بأن هزيمة الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولي سيعقبها قيام دولة عربية وكان هذا ما أوحي لعبدالعزيز ولفيلبي بأن يكون عبدالعزيز هو ملك هذه الدولة العربية، وليس من الواضح ما دار بين عبدالعزيز وفيلبي، ولكن يبدو أن فيلبي لم يكن يكتفي بقيام دولة عربية يجلس عبدالعزيز علي عرشها بل كان طموحه هو توحيد الأمة الإسلامية في دولة وهابية تكون أداة في تثبيت ملك آل سعود، وحتي يتحقق هذا الحلم كان عبدالعزيز محتاجا لقبول بريطانيا لمشروعه، وفيما بعد كان ضروريا موافقة أمريكا علي ذلك، وكان هذا هو الهدف الذي وضعه عبدالعزيز نصب عينيه بنصيحة فيلبي، فقد كان فيلبي بمثابة الأب الروحي للمشروع السعودي الذي بمقتضاه يقود السعوديون الإسلام السني لحساب الأهداف الغربية مثل احتواء الشيوعية والفكر البعثي والتيار الناصري والنفوذ السوفييتي وإيران وفي مقابل قيام السعوديين بهذه الخدمات للغرب يقبل الغرب سيطرة الفكر الوهابي علي الأمة الإسلامية وتحطيمه لتقاليد الإسلام الثقافية مثل الخلاف في الرأي وتعدد المذاهب، وكان ذلك هو بذرة الخلاف العميق الذي نشأ داخل العالم الإسلامي.

ومن الناحية السياسية والمالية نجح مشروع السعودية/فيلبي نجاحا منقطع النظير، ولكن الفكر البريطاني والأمريكي بعده لم يدرك خطورة جرثومة الخطر في الفكر الوهابي واحتمالات العنف الدموي بداخله، وهو ما نراه حاليا بظهور داعش.

ونقف عند هذه الفقرة من الخلط الشديد للإعلام الغربي الذي يحاول تفسير ما يحدث من عنف دموي داخل المنطقة بأنه نتيجة تطرف وهابي، وينكر تماما دور المؤامرة الغربية في خلق التنظيمات الإرهابية وتمويلها وتسليحها وإذ كان نيران الفتنة بين السنة والشيعة، وسنعرض في المقال التالي باقي عرض كروك الشيطاني الذي يخلط الأوراق تماما بحيث تضيع معالم الصورة المأساوية أمام عين المشاهد العربي.

 

 

الرئيس الشرفي لحزب الوفد