رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

لازم أتكلم

لا تذبحوا الأحزاب

شن البعض هجوما شديدا على الأحزاب السياسية في مصر، وانتقدوا بشكل قاس وحاد أداءها وتواجدها في الشارع السياسي، وقاموا بدور الطبيب الجراح الذي يستأصل ولا يعالج، يبتر ولا يعطى فرصة للتداوى، حتى ولو كان التشخيص يشير إلى إمكانية العلاج.

وتساءل أحد هؤلاء: هل لدينا فى مصر معارضة سياسية تنطبق عليها شروط ومواصفات قوى المعارضة فى الدول الديمقراطية المستقرة؟ وانتهى إلى أننا في حاجة إلى معارضة قوية لبناء «مصر الجديدة». وذهب آخر إلى حد اتهام أحزاب المعارضة جميعها دون استثناء بعدم الوطنية، والتهرب السياسي ، والافتقار إلى أى مشروع وطني حقيقي .

وأقول لهذا وذاك، ولمن يتجاهلون، أو يتعمدون نسيان التاريخ وكيفية نشأة الأحزاب المصرية ، أن الأحزاب في أى دولة جزء أساسي من النظام السياسي العام، وتحمل منه جينات قوته وضعفه، وأنها  في الأنظمة «المتحولة» من الديكتاتورية، إلى الاشتراكية الديمقراطيه،تعاني وتأخذ وقتا طويلا حتى تنتقل إلى الديمقراطية الكاملة والحقيقية، وهو ما ينطبق على أحزاب مصر التى مرت بمراحل صعبة ومختلفة من التحول السياسي، منذ عهد محمد على وأسرته  قبل ثورة 1952، مرورا بعهد عبد الناصر، الذي ألغى الحياة الحزبية تماما، بعدما شوه صورتها وانتقص من دورها ، وهدد كل من ينتمى لأي حزب بالتنكيل والسجن والاعتقال .و ما تعرض له حزب الوفد وأعضاؤه في الحقبة الناصرية أقوى دليل .

وفى عصر السادات، عادت الأحزاب مجددا بشكل هش وضعيف، على هيئة منابر (يمين ووسط ويسار)، حدد لها النظام الساداتي هامشا ضيقا من النشاط والتحرك ، ولم يمنحها فرصة القيام بدورها الوطنى، وعندما حاول الزعيم فؤاد سراج الدين الخروج عن هذا الإطار، والتمرد على القيود  بالإعلان عن نيته لتأسيس حزب معارض حقيقي، يعيد به الروح إلى الحياة الحزبية ، جن جنون السادات، وكأن سراج الدين أجرم في حق النظام، واستخدم ووممدوح سالم (رئيس وزراء مصر آنذاك) كل الأسلحة السياسية والقرارات والقوانين الجمهورية لإعاقة عودة الحزب، واعتبروه من أحزاب ما قبل الثورة ، التي يطبق بحقها قانون «حل الأحزاب وعدم السماح بعودة أي حزب قديم»  وكان الحل هو إعتقال الزعيم سراج الدين في سبتمبر عام 1881 لاصراره على تأسيس حزب الوفد الجديد.

وفي عصر مبارك، لم تختلف نظرة النظام السياسي للأحزاب عما كان من قبل، فقد سمح مبارك بتأسيسها ، ولكن رهن الموافقة على إبصارها النور بشروط وضمانات كثيرة ، قيدت نشاط الأحزاب ، وحرمتها من  المؤتمرات والندوات العامة ، والالتحام بالجماهير في الشوارع والميادين ، وحددت لقاداتها مساحة معينة للمعارضة «المستأنسة»، من يخرج عنها ( يا سواد ليله وخراب بيته ) من رجال جهاز أمن الدولة. وكان  هذا التضييق كفيلا بإضعاف الأحزاب وعدم تمكينها من الدور المنشود، وظلت  مجبرة جزءا من الديكور السياسي للنظام، رغم كل المحاولات التى قاومت فيها كل أساليب الاستبداد والقمع ، والأمية السياسية، وخوف الكثيرين من الانضمام لأي حزب ، تجنبا للاصطدام بزوار الفجر.

وبعد قيام ثورة 25 يناير، دخلت مصر تجربة حزبية مختلفة ، أصبح خلالها الإعلان عن أي حزب جديد بالإخطار، ومعه أصبح العدد كما يقولون في الليمون ، واختلط الحابل بالنابل، وشوهت من جديد صورة الأحزاب ، ودفع الثمن حزب الوفد الذى يزج به أعداؤه الآن في معركة لن تنال منه، ولا تؤثر في مسيرته ولا موقعه  في المشهد السياسي.

وبعد أن اضطررت لهذا السرد التاريخى الموجز، أعود وأقول إن قوة الأحزاب والاحساس بتواجدها الفعلى ، يكمن في مدى قناعة و قبول النظام بضريبة الديمقراطية، وإيمانه بقيمة الأحزاب ودورها في إحداث التوازن السياسي بين كل قوى وأطياف المجتمع ، وهو التوازن المطلوب في أى دولة ديمقراطية محترمة تحرص على استقرار البلاد سياسيا وتقدمها اقتصادياً.

والخلاصة ياسادة ، كان الأجدر بكم أن تحاسبوا النظام البائد ، الذى أدى بالتجربة الحزبية إلى هذا الحال ، وبدلا من أن  تذبحوا الأحزاب (عطال مع بطال)، ارحمونا وضعوا الحلول، وكفانا وكفى البلد تعميم الانتقاد وتوزيع الاتهامات، فقد ولدت بمصر تجربة حزبية جديدة ومختلفة، تحتاج من الجميع رعايتها، وتقويمها ،لا هدمها وإحباطها لخدمة النظام.