رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

دروس خالدة فى ذكرى سعد والنحاس

 

الأمة مصدر السلطات والدين لله والوطن للجميع

الشرف والنزاهة ضرورة لمواجهة الطغيان والاستبداد

رفض التبعية وصلابة المواقف والانحياز الأبدى للشعب

 

فى رواية الثلاثية للمبدع الكبير نجيب محفوظ عبارات موحية تُدلل على مكانة الزعيمين سعد باشا زغلول ومصطفى باشا النحاس لدى المصريين.

فى قصر الشوق تندلع ثورة 1919 أحداث الثورة وينضم إليها «فهمى» نجل السيد أحمد عبدالجواد ويشارك فى المظاهرات والاضرابات فتضطر إنجلترا إلى الإفراج عن سعد.

وفى الجزء الثانى (قصر الشوق) يقول شقيقه كمال «ليس فى مصر من يتكلم باسمها إلا سعد، وأن التفاف الأمة حوله جدير فى النهاية بأن يبلغ بها ما ترجوه من آمال».

وفى نفس الرواية يتحدث كمال عن حادث 4 فبراير قائلا:ً «إن النحاس ليس بالرجل الذى يتآمر مع الإنجليز فى سبيل العودة إلى الحكم، إن أحمد ماهر مجنون، هو الذى خان الشعب وانضم إلى الملك ثم أراد أن يغطى مركزه بتصريحه الأحمق».

ذلك مدخل مهم للحديث عن الزعيمين الجليلين فى ذكراهما التى شاء القدر أن تتوافق تماماً ليرحلا فى نفس اليوم 23 أغسطس مع فارق 38 عاماً.

فى 23 أغسطس عام 1927 رحل سعد زغلول عن مصر بعد حياة حافلة بالجهاد والفداء والوطنية لنيل الاستقلال وتحرير الوطن، وفى 23 أغسطس عام 1965 رحل مصطفى النحاس بعد حياة صاخبة شهدت معارك وطنية عديدة أسس خلالها الرجل الدولة المدنية الحديثة.

التشابه بين الزعيمين لا يقتصر على تاريخ الوفاة أو قيادة الوفد وإنما يمتد لكثير من جوانب الحياة، وكأنهما اختارا نفس الاختيار، وسارا ذات المسار، وتركا للشعب دروساً لا تمحى مازالت صالحة حتى اليوم.

درس سعد زغلول ومصطفى النحاس القانون وتخرجا من كلية الحقوق، وانشغلا بالسياسة، وتزوجا فى سن متأخرة نسبياً، وشاء الله ألا ينجبا، وترأسا حزب الوفد الأول من 1919 إلى 1927، والثانى من 1927 إلى 1953. وتعرض كلاهما للاعتقال، والنفى، ومحاولات الاغتيال سواء الفعلى أو المعنوى.

لقد أطلق أحد الأشقياء يوماً الرصاص على صدر سعد وشاء الله أن ينجو بأعجوبة، وكان التحريض قادماً من القصر الملكى الذى رأى فى شعبية سعد منافسة موجعة للملك فؤاد. كذلك فقد تعرض مصطفى النحاس لكثير من محاولات الاغتيال منها ما قام به الحرس الحديدى التابع للملك فاروق، وما قامت به جماعات متطرفة فاشية مثل جماعة حسين توفيق، ووصل الأمر إلى انفجار قنبلة فى ناموسية نومه وشاء الله له النجاة.

ويمكن القول إن سعد والنحاس يمثلان أفضل تعبير عن نجاح الطبقة الوسطى إلى قيادة الأمة فكلاهما أبناء تلك الطبقة، وكلاهما ينتمي إلى الريف، وهُم مع ذلك على اهتمام واسع بالتعليم والاطلاع على المدنية الأوروبية والاستفادة منها.

كان سعد زغلول مؤمناً بأن الحق فوق القوة، والأمة فوق الحكومة، وبنفس القدر كان إيمان النحاس بأن الأمة هى مصدر السلطات، وأن الحكومة خادم لإرادة الشعب، وأنه هو وحده من يختار ويقرر وعلى الجميع أن يصمت.

كذلك كان الزعيمان يؤمنان أن مصر تتسع للجميع، وأن المواطنة حق لكل مصرى، وأنه لا تفصيل لمصرى عن الآخر بالدين أو العرق أو الطبقة، لذا فقد شهدت حكومة سعد عام 1924 مشاركة عدد أكبر من الأقباط، وشهدت حكومات النحاس الخمس إنجازات عظيمة حققها وزراء مسيحيون.

ولاشك أن كليهما كان يرى ضرورة احترام الدستور والقانون والسماح بحرية التعبير والنقد إلى أبعد مدى ممكن.

وقد رفض سعد إعلان الجمهورية حتى لا يتهم بالانقلاب على الدستور، وهو ما تكرر مع النحاس بعد ذلك رغم الشعبية الجارفة.

وقد وصل الحد بسعد باشا وهو رئيس وزراء مصر أن يتقبل بصدر رحب اتهامات شنيعة وأوصافاً سخيفة تدخل فى باب السب والقذف من محمد حسين هيكل ولم يتجاوز أن أقام دعوى قضائية ضده انتهت بالحكم بالبراءة باعتبار أنه شخصية عامة وأن كل شخصية عامة عليها أن تتقبل النقد حتى لو وصل لدرجة الاتهام.

أما مصطفى النحاس فقد كان لا يُعير النقد من جانب الخصوم اهتماماً، لكنه إذا كان الأمر يخص ما هو للشعب فقد كان يرد بموضوعية وهدوء وثقة دون أن يطارد منتقداً أو يعتقل شاتماً.

وعرف الرجلان بالاستقامة الشديدة والنزاهة والشرف وهو ما جعلهما أكثر صلابة على مواجهة اتهامات وافتراءات الخصوم والمخالفين فى الرأى والسياسة.

وإذا كان الخصوم قد وجهوا رصاص افتراءاتهم إلى الزعيمين فى كل شىء، فإن أحدا لم يستطع أن يفتح فمه حول أى شبهة فساد أو استغلال لنفوذ أو اتهام بالتربح للرجلين، وحتى عندما جنح البعض لذلك مثل ما جرى فى قضية الأمير سيف الدين، أو واقعة الكتاب الأسود فقد كان رد الفعل هادئاً وقانونياً وفى إطار تأكيد النزاهة ودون تشنج أو انفعال أو انتقام.

أما السمات الشخصية فقد كان من الواضح وجود كثير من عناصر التشابه ربما أهمها البراعة الشديدة فى الخطابة والكاريزما الطاغية والقدرة على التأثير فى الجماهير. فضلا عن البلاغة الشديدة فى الخطابات الرسمية وغير الرسمية، والقدرة على امتصاص غضب الجماهير والحديث بنفس لغاتها.

وكانت لدى كل من سعد والنحاس جرأة شديدة فى مواجهة الخصوم، وصلابة فى التعامل مع الاستعمار وصلت فى بعض الأحيان إلى استقالة سعد وحكومته رفضا للتدخل فى شئون مصر، وقيام النحاس بإلغاء معاهدة دولية وقعتها مصر مع بريطانيا لممارسة ضغط شعبى مباشر على بريطانيا.

إن الشجاعة فى الحق سمة بارزة لدى الزعيمين.

إن سعد لم يتراجع عن المطالبة بحق مصر فى تقرير مصيرها وهو يعلم أن ما له إلى السجن أو المحاكمة أو النفى وظل صلباً عتيداً لا يُفرّط فى حق من حقوق الوطن حتى صدر دستور 1923 وفاز الوفد بالانتخابات وشكل الحكومة. ومثله كان النحاس مهيباً فى تعامله مع الملك فاروق ومع أحزاب القصر والإنجليز ووصل به الأمر أن يرفض تنصيب الملك دينياً وأن يقول للملك فور توليه «اعتبرنى والدك» وهو ما أثار حقد الملك وكراهيته له طوال حياته كما يذكر كريم ثابت فى مذكراته.

 

سيرة سعد

لقد ولد سعد زغلول فى قرية ابيانة التابعة لمركز فوة سابقاً بمديرية الغربية سابقًا عام 1857 أو 1858 وتلقى تعليمه في الكُتاب ثم التحق بالأزهر عام 1873 وتعلم على يد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده والتف مثل الكثير من زملائه حول جمال الدين الأفغانى، ثم عمل معه في الوقائع المصرية، ثم انتقل إلى وظيفة معاون بنظارة الداخلية لكنه فصل منها لاشتراكه في ثورة عرابى واشتغل بعد ذلك بالمحاماة لكنه قبض عام 1883 بتهمة الاشتراك في تنظيم سرى.

وبعد ثلاثة أشهر خرج سعد من السجن ليعود إلى المحاماة ثم توظف بالنيابة وترقي حتي صار رئيسا للنيابة وحصل علي رتبة الباكوية، ثم نائب قاض عام 1892، ثم حصل على ليسانس الحقوق عام 1897.

وأصبح سعد نائبًا عن دائرتين من دوائر القاهرة، ثم فاز بمنصب الوكيل المنتخب للجمعية وبعد الحرب العالمية الأولى تزعم المعارضة في الجمعية التشريعية التي شكلت نواة «جماعة الوفد» فيما بعد وطالبت بالاستقلال وإلغاء الحماية.

وخطرت لسعد فكرة تأليف الوفد المصري للدفاع عن القضية المصرية عام 1918 ضد الاحتلال الإنجليزى، حيث دعا أصحابه إلى مسجد وصيف في لقاءات سرية للتحدث فيما كان ينبغي عمله للبحث في المسألة المصرية بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى في عام 1918م، وتشكل الوفد المصري الذي ضم سعد زغلول وعبدالعزيز فهمي وعلي شعراوي وآخرين وأطلقوا على أنفسهم الوفد المصري.

وقد جمعوا توقيعات من الناس لإثبات صفتهم التمثيلية وجاء في الصيغة: «نحن الموقعين على هذا قد أنبنا عنا حضرات: سعد زغلول و.. في أن يسعوا بالطرق السلمية المشروعة حيثما وجدوا للسعي سبيلاً في استقلال مصر تطبيقاً لمبادئ الحرية والعدل التي تنشر رايتها دولة بريطانيا العظمى».

واعتقل سعد زغلول ونفي إلى مالطة هو ومجموعة من رفاقه في 8 مارس 1919 فانفجرت ثورة 1919 التي كانت من أقوى عوامل زعامة سعد زغلول.

اضطرت انجلترا إلي عزل الحاكم البريطاني وأفرج الإنجليز عن سعد زغلول وزملائه وعادوا من المنفي إلي مصر، وسمحت انجلترا للوفد المصري برئاسة سعد زغلول بالسفر إلي مؤتمر الصلح في باريس ليعرض عليه قضية استقلال مصر.

ولما لم يستجب أعضاء مؤتمر الصلح بباريس لمطالب الوفد المصري فعاد المصريون إلي الثورة وازداد حماسهم، وقاطع الشعب البضائع الإنجليزية، فألقي الإنجليز القبض علي سعد زغلول مرة أخرى، ونفوه مرة أخرى إلي جزيرة سيشل في المحيط الهندى، فازدادت الثورة اشتعالاً، وحاولت إنجلترا القضاء على الثورة بالقوة، ولكنها فشلت مره أخرى.

وعاد سعد من المنفي وقام بتأسيس حزب الوفد المصري ودخل الانتخابات البرلمانية عام 1923م ونجح فيها حزب الوفد باكتساح.

تولي رئاسة الوزراء من عام 1923م واستمر حتي عام 1924م حيث تمت حادثة اغتيال السير لي ستاك قائد الجيش المصري وحاكم السودان والتي اتخذتها سلطات الاحتلال البريطاني ذريعة للضغط علي الحكومة المصرية فاستقال زغلول، وظل مثابرا ومناضلا إلى أن رحل فى 23 اغسطس عام 1927.

 

حياة النحاس

النحاس هو الآخر ولد فى القرن التاسع عشر وتحديدا فى 15 يونيو عام 1879 ودرس القانون ومارس السياسة عضواً فى الحزب الوطنى عندما كان قاضياً، وعندما بدأ سعد باشا زغلول فكرة تأليف الوفد لعرض قضية مصر لدى عصبة الأمم انضم «النحاس» له وسافر معه إلى باريس وقبض عليه معه ونفى إلى مالطا، وفصل من القضاء ثم نفى مرة أخرى إلى سيشل وعندما عاد سعد ورفاقه صار الرجل الثانى فى الوفد وشغل منصب السكرتير العام واختير وزيراً للمواصلات فى وزارة 1924 ثم وكيلاً لمجلس النواب وبعد وفاة سعد زغلول اجتمع الوفد المصرى واختاره رئيساً له.

وخاض النحاس معارك عنيفة لمساندة الدستور وضد الطغيان، وانتقل من بلدة إلى بلدة مندداً بالاستبداد والقهر وسياسة الحديد والنار التى يتبعها اسماعيل صدقى، ويتعرض لمحاولة الاغتيال الشهيرة فى المنصورة عندما يفتديه سينوت حنا وتلقى عنه ضربة سونكى لأحد الجنود المأجورين.

وشكل النحاس الحكومة سبع مرات فقدم إنجازات وطنية خالدة لمصر مازلنا نستنشق عبيرها إلى الآن، كان منها تحقيق استقلال مصر المبدئى عام 1936 من خلال المعاهدة الشهيرة مع بريطانيا والتى لولاها ما خرجت قوات الإنجليز إلى قناة السويس وحققت الاستقلال للجيش المصرى وما كانت ثورة يوليو.

كما نجح فى إلغاء الامتيازات الأجنبية لـ12 دولة فى مصر وهو قرار استعاد سيادة مصر وكرامتها وحقق لها استقلالاً معنوياً.

ووضع «النحاس» وحكومة الوفد شرارة الكفاح المسلح ضد الاستعمار البريطانى بعد إلغائه معاهدة 36 عام 1951 وبدء معارك الفدائيين ضد المحتلين فى القناة وهى معارك تجاوز عددها 15 معركة وخسر فيها الإنجليز كثيراً من الضحايا. فضلا عن ذلك يحسب لحكومات الوفد تأسيس جامعة الدول العربية وتوقيع معاهدة للدفاع المشترك بين الدول العربية، وإنشاء ديوان المحاسبات «الجهاز المركزى للمحاسبات» ومحكمة النقض والبنك المركزى واتحاد العمال.

فضلا عن إصدار عشرات التشريعات المنظمة للحقوق فى مصر مثل قانون العمال، مجانية التعليم الابتدائى، التأمين الإجبارى على العامل، استقلال القضاء، التعريب.

ورحل النحاس باشا فقيراً منعزلاً فى سطوة الحكم الناصرى يوم 23 اغسطس عام 1965 وسار فى جنازته الآلاف هاتفين «لا زعيم إلا النحاس».

لكن ماذا تبقى من الرجلين؟ تبقى من سعد رؤية التحرر الوطنى، وروح المثابرة والإيمان بقدرة الشعب على التغيير، ووحدة أبنائه بمختلف طوائفهم وطبقاتهم.

أما النحاس فقد تبقت لنا مصر بكافة مؤسساتها بدءاً من هيئة الطاقة الذرية، البحث العلمى، النقابات العمالية، البنك المركزى، الجهاز المركزى للمحاسبات، محكمة النقض، وجامعة الدول العربية.

وقبل كل ذلك تبقت لنا قيم النزاهة والشرف والاستقامة واحترام القانون من الدروس المهمة أن الزعامة الوطنية لا يمكن أن تخضع للإرهاب أو التدخل الأجنبى.

إن سعد وقف موقفاً واضحاً ضد التدخل فى أعمال وزارته عندما جرى قتل السير لى ستاك وأبى أن يخضع للقرار البريطانى.

نفس الموقف تقريباً للنحاس باشا الذى أعلن إلغاء معاهدة 1936 معلناً الكفاح المسلح على الإنجليز فى القناة.

وكلاهما أيضا رفض تسييس الدين بمعنى استخدامه فى تحقيق أغراض ومصالح شخصية وهو ما تجلى فى رفض زغلول تنصيب الملك فؤاد خليفة للمسلمين، ورفض النحاس باشا تنصيب فاروق فى احتفال دينى، ومواجهته لحسن البنا عندما رفع شعاراته الدينية فى عالم السياسة.