رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الليونة الفقهية في الانتخابات البرلمانية

نعتقد أنه لولا الإصلاحات في قوانين الانتخابات وتأسيس الأحزاب على أسس دينية ضيقة، لبقيت مصر تعاني من ثنائية "المؤمنين في الحكم"، و"الكفار في المعارضة"، أو العكس، وهو ما قد يكون مبررًا للاغتيالات وإراقة الدماء، تحت مسميات مغلوطة.

منذ ثورة 25 يناير، وعلى مدار خمس سنوات، لا يستطيع أي متابع للتيار السلفي، إلا أن يُصاب بالحيرة في تعاطيهم مع "الشأن السياسي" بـ"ميكافيلية" يُحسدون عليها، لاعتقادهم الراسخ بأنه "رجس من عمل الشيطان"!

أثناء انطلاق الشرارة الأولى للثورة، تصدَّر الغموض موقف السلفيين، فلم يُقروا بأخطائهم أو على الأقل مراجعتها.. نزلوا بكثافة للشارع من دون تمهيد، ثم الانجرار لمعارك وهمية، محاولين الانقضاض على "صديقهم اللدود" جماعة الإخوان، واحتلال الصدارة!

خلال تلك السنوات، لم يقدم السلفيون أنفسهم بشكل مختلف؛ يلقى قبولًا أو ارتياحًا لدى شرائح المجتمع كافة، حيث تمارس قياداتهم السياسة بمنطق المشايخ، ويتعاملون معها بمنطق الفتوى، لأن الغاية عندهم دائمًا تبرر الوسيلة.

باعتقادنا، هناك حالة من التخبط يعيشها حزب النور، الذراع السياسية للتيار السلفي، ما تجعله يضع مستقبله السياسي على المحك، نتيجة القوانين الجديدة المنظمة للحياة السياسية، بعد أن وجهت "الدولة" ـ قبل عام ـ رسالة تحذير بأن "هيبتها ينبغي احترامها"، و"لن يُسمح بدولة موازية"، وهو ما يتخوف منه الحزب ويعمل على دحضه بشكل مؤقت حتى "يتمكن" من الكسب والتوسع.

إن التاريخ القريب لم يفارق الذاكرة بعد، ولعل مظاهر التناقض مع الدولة وفلسفة المواطنة والمؤسسات ـ بصور عدة ـ ظاهرة للعيان، سواء أكان في رفض قيادات السلفيين الوقوف لتحية العلم، أو رفضهم تحييد بيوت الله عن السياسة، إضافة إلى امتعاضهم من مشاركة المسيحيين في قوائم مشتركة مع أشقائهم المسلمين.

لقد واجه مشايخ السلفية وقياداتهم تحديات بالجملة داخل الجمعية التأسيسية للدستور "2012 المعطل"، بعد رفضهم الوقوف للسلام الوطني، وفقاً "لرؤية شرعية" نابعة من أفكارهم، الأمر الذي اضطر معه ياسر برهامي، نائب رئيس الدعوة السلفية، لإصدار فتوى مفادها أن الوقوف من أجل السلام الوطني بدعة وطنية محدثة، وعزز فتواه بقوله تعالى "يوم يقوم الناس لرب العالمين".

كما أفتى "برهامي" بعدم جواز الوقوف "دقيقة حدادٍ" على أرواح الشهداء، الأمر الذي دفع دار الإفتاء إلى إصدار فتوى بجواز الوقوف عند تحية العلم وترديد النشيد الوطني، أعقبها صدور قانون، اضطر برهامي نفسه وجماعته إلى "الليونة" خوفًا من العقوبات.

الآن، ونحن على أبواب انتخابات البرلمان، يقف المرء مذهولًا عندما يتابع الحملة الدعائية واستعدادات مرشحي "النور"، خصوصًا أنهم يحجبون صور المرشحات وأسماءهن "المسلمات"، وكأن على الناخب أن يُعطي صوته للمجهول، أما إذا كانت مسيحية فلا مانع من "الليونة الفقهية"!

في كل الأحوال، لا يوجد خيارات كثيرة أمام السلفيين وحزبهم السياسي "النور"، ولذلك قد يلجأون إلى تغيير "تكتيكي" في نهجهم، أو تقديم "تنازلات" أو "ليونة" لتحقيق طموحاتهم السياسية، ولا مانع بالطبع من إدراج المسيحيين حتى لا يخرجوا من الحياة السياسيـة بمخالفة قانون مجلس النواب!

لم يعد أمام حزب النور بديل سوى التأقلم مع الوضع السياسي الجديد، وتقديم فروض الطاعة والولاء، إن أراد البقاء على قيد الحياة السياسية، خصوصًا أن الدستور "المعدل 2014" يحظر إنشاء أي أحزاب على أساس ديني.

إن التزام "النور" السلفي ـ "مُرغمًا" أو "مُكرهًا" ـ بإدراج الأقباط على قوائمه الحزبية واعترافه بالمواطنة ومدنية الدولة قد يجعله أمام القانون حزبًا مدنيًا، وهذا ما يرفع عنه صفة "الإسلامية"، وهي في جوهرها "القداسة الموهومة" التي يضفيها الحزب حوله لكسب الأصوات وتأييد الناس!