رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

ثقافة الهمم الناعسة! (1)

الثقافة كالتعليم؛ لا تمنح كما تمنح سائر الأشياء بالمجّان، بلا تعب ولا مجهود ولا حرمان. نعم! إذا كان التعليم يقتضى بذل المجهود فى ترسيخ القيم العليا كما ينبغى أن تكون، والنهوض بما هو كائن، فالثقافة داعمة للتعليم فى بناء شخصيّة الفرد وتشكيل توجهاته المعرفيّة بمقدار دعمها المؤكد فى خلق مجتمع حضارى مُتقدّم، يحفظ هويته، ويُساهم فى الإنجازات العالميّة، ولا يكتفى فقط بالاستهلاك ثم التسوّل المقيت على موائد اللئام.

التعليم ضرورةٌ لابُدّ منها.. والثقافة كمالٌ لابُدّ منه.

وإذا كان التعليم يُفرض فرضًا على المتعلم لكى يقوم بواجباته الاجتماعية والوطنية ترسيخًا لفكرة الأمن القومى، وهو أمر تقدّره، وينبغى أن تقدّره الدولة على الدوام، فالثقافة تكميلٌ لهذا الفرض الذى يُرقى من الإنسان ويهذّب من قدراته، إلاّ أنها من جهة أخرى تختلف عن التعليم باعتبارها نشاطًا تلقائيًا يُمارسه كل إنسان يجد فى نفسه القدرة على شحذ المُمارسة لهذا النشاط الفاعل.

خذ مثلًا : لئن كان الإرهابُ فى وطننا العربى يشغل أكثر المساحات ويستغرق أنشطة الوطن الحيويّة، فلا أقلّ من مواجهته أولا، وقبل كل شيء، بالفكر؛ فإن تبعة تغيير التفكير مسؤولية مجتمعية يقع عاتقها على التعليم أولًا ثم الثقافة ثانيًا؛ لأنهما مؤسستان مسئولتان فى المجتمع عن فعل القناعات : تكوين القناعة وتوجهها، ثم تغييرها واستبدالها بقناعة أخرى تكون أكثر إيجابية من القناعة السابقة عليها.

وبإصلاح التعليم واستقامة الثقافة تتغير المفاهيم، وهى لا تتغير بين عشيّة وضحاها، ولكن بعد جهود مضنية من التربية والإصلاح، وإذا تغيرت المفاهيم انعكست على المجتمع بالسلام.. ومادام التعليم فاسدًا، والثقافة متردّية، والعقائد منحرفة، والتدين شكليًا، والأخلاق منحلة؛ فلا تنتظر سوى هذه العوامل تتضافر لتُشكّل منظومة التّطرُّف والإرهاب.

فالعملية التعليمة بلا ثقافة تنويرية عاطلة، والثقافة التنويرية بلا أسس تعليمية باطلة.

ومع ذلك، فهناك اختلاف فى الروح بين الثقافة والتعليم.. فالتعليم يأتى فى حكم الضرورة الواجبة، فإذا لم يكن هنالك تعليم، فالمقابل هو التجهيل، لكنما الثقافة مُجرّد نشاط تلقائى يتّصل بأسباب الوجود الروحى فى الإنسان على التعميم، يتفاعل معه، ويزيدُ دومًا من فاعليته ونشاطه وفى أعلاها القيم.

من أجل ذلك؛ فهى أبعد ما تكون عن أن «نتلقّاها» مفروضة، أو أن نستعيرها من أى أحد؛ لأنها خصوصيّة فرديّة شأنها فى ذلك شأن سائر الخصوصيات التى ينفردُ بها الإنسان.. الثقافة – كالملكيّة – ليست منحة أو عطاءً، فهل يُقال فى حق الملكيّة إنها تُمنح أو تُعطى، وكذلك الثقافة، لا يُقالُ فى حقها إنها تمنحُ أو توهبُ بعطاء؛ لأنها من صنع الإنسان نفسه، ومن مجهوداته الذاتيّة، ليكون بها علامة على إنسانيته : تفرّدها وامتيازها، مقدارُ ما تكون علامة على خصوصيته : ترقيها أو انحطاطها، ولأجل هذا، كانت أكثر تعبيرًا عن «الهُويّة» من غيرها.

فما ينطبق فى هذا على الأفراد، ينطبق على الأمم والشعوب؛ فثقافة الأمم القديمة كأمم الهند وفارس والصين مثلًا ليست كثقافة الأمم اليونانية، وثقافة اليونان ليست كثقافة العصور الوسطى، وثقافة العصور الوسطى، إسلاميّة ومسيحيّة، مختلفة كل الاختلاف عن ثقافة العصرين : الحديث والمعاصر.

تعبّر الثقافة عن روح العصر، وعن وعى الأفراد فيه، والمثقف فى عصر من العصور القديمة ليس هو المثقف فى عصرنا الحاضر، فإذا كانت روح العصر فى الغالب تطبع أرواح القائمين عليه بطابعها، فإن ثقافة المثقف نفسه؛ فيما لو كان يعيش عصره ويفهم وسائل تقدّمُه وترقيه، تطبع بطابعها الخاص روح العصر الذى يعيش فيه، فكما يتأثر بهذه الروح العصرية، فهو كذلك يؤثر فيها، إن سلبًا فسلبًا، وإن إيجابًا فإيجابًا.

ومن أخلص لتلك الروح، واجتهد فى إدراك خصائصها ومعطياتها، استلهم روح العصر وتأثر بها وأثّر فيها إيجابًا، وقد يقوم بتغييرها فيما لو رأى جوانب السلب فيها طاغية على جوانب الإيجاب.