رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هموم مصرية

الشدة الإرهابية!

عرفت مصر كثيرًا من المحن والشدائد، طوال تاريخها ومن أيام الفراعنة.. وعرفت أيضًا القلاقل والثورات والفتن.. ولكنها عرفت كيف تعبرها كلها، وتنطلق للحياة من جديد.

وربما كانت الشدة المستنصرية التي عاشتها أيام الحاكم الفاطمي المستنصر بالله هي الأكثر شهرة.. بسبب سوء الإدارة، وتفشي الفساد.. وليس سرًا أن المصريين أيامها أكلوا القطط والكلاب.. فلما أكلوها كلها خطفوا بعضهم بعضا وأكلوا لحوم البشر.. وبسبب الغلاء الرهيب خرج الحاكم نفسه يحمل «قفة» مملوءة بالجواهر والذهب لكي يستبدلها بأرغفة من الخبز.. ليسد جوعه.. ولكنه لم يجد من يعطيه رغيفًا مقابل كل هذه المجوهرات.

<< وإذا كانت الشدة المستنصرية هي أبشع ما عاشه كل المصريين في العصور الوسطي، فإنهم عانوا أيضًا كثيرًا من المحن والشدائد والقلاقل الأمنية فيما بين خروج حملة «بونابرت» من مصر، وقبل أن يتولى محمد علي الحكم بنفسه ولكن كان العابثون بالأمن هذه المرة من رجال السلطة والأمن.. بل ومن  رجال السلطة نفسها.. إذ كان الجنود والمماليك يهاجمون المحال التجارية.. وكل البيوت وينهبون ما بها من أموال أو طعام.. أو حتى نساء وأطفال تعويضًا لهم.. لأن قادتهم عجزوا عن دفع رواتبهم.. وكانت الفترة من عام 1801 إلى عام 1805 وأحياناً إلي ما بعدها حتى عام 1811 هي أتعس السنوات التي عاشها الشعب في أوائل القرن 19، أي منذ قرنين من الزمان.

<< ولكن مصر استطاعت أن تعبر كل هذه الأزمات، وأن تنتعش من جديد بفضل القيادة الواعية القادرة، مرة ممثلة في بدر الجمالي، نائب حاكم مصر على فلسطين أيام الدولة الفاطمية، التي كانت أولى مهامها استخدام الحزم والشدة، بل ومنتهى العنف لضرب العابثين بالأمن، بل انه استطاع حماية القاهرة نفسها بالسور الكبير الذي أحاط به العاصمة وهو غير السور الذي بناه جوهر الصقلي فاتح مصر باسم الفاطميين. ولولا الحسم والحزم بل والعنف الذي لجأ إليه بدر الجمالي لما قامت مصر.. من جديد.

تماماً كما فعل محمد علي نفسه.. إذ لجأ إلى نفس الأسلوب في مواجهة العابثين بالأمن وترويع الناس.. وانتهى به الأمر إلى تدبيره مذبحة القلعة للقضاء على زعماء المماليك أنفسهم في يوم الجمعة الشهير أول مارس 1811 ثم طارد من بقي منهم حتى جنوب الصعيد.. فهرب منهم من بقي إلي السودان. وبلغ عدد من قتلوا من المماليك وزعمائهم في هذه المذبحة نحو 1000 من قادة المماليك!! وبذلك استقر الأمر لمحمد علي باشا ليبدأ في بناء دولته الجديدة.. على أساس سليم.. أساسه الأمن والاستقرار.

<< وعلينا هنا أن نتعلم.. بعد أن نقرأ.. لأنه لا يمكن لأي حاكم أن يتفرغ لبناء دولته إلا بعد أن يستقر الأمن. ولما كان واضحا أن الإرهاب لا يريد أن يستسلم، بل هو يستغل كل شيء لصالحه.. حتي ولو كان مجرد ظهور قناديل البحر علي شواطئنا أو ظهور سمكة قرش عملاقة.. وهو يستغل ذلك، معتمدًا على سلوك طبيعي عند كل المصريين هو تصديق كل ما يقوله أعداء الحاكم.

وأرجو ألا يعتبر القارئ ما أقوله اليوم دعوة للحاكم لكي يبطش بالناس أو يدبر لهم المذابح.. فأنا لا أرى ذلك.. ولكنني أرى في بطء تنفيذ الأحكام الصادرة ضد قادة الإرهابيين سبباً في تزايد أعمال العنف والإرهاب.. أقول ذلك بالنسبة على الأقل لمن صدرت ضدهم أحكام نهائية.. فلماذا عدم التنفيذ؟

<< أيضا لماذا لا نأخذ موقفًا متشددًا مع قادة الإرهابيين الذين يتحركون خارج مصر، أينما كانوا. والتاريخ يروي لنا حكايات حكام ودول كانت تطارد معارضيها وتتولى معاقبتهم- وهم على البعد- جزاء تخطيطهم وعملهم لضرب الاستقرار داخل مصر.

أقول ذلك لأنني أتمنى أن نبدأ إعادة بناء مصر على أساس سليم.