رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الحب فى زمن الشقاء..

من غايات الإنسان، منذ طفولة الكون الأولى حتى يومنا هذا، أن يحقق لنفسه السعادة، وفى زماننا ورغم التطور الهائل فى ابتكار كل شىء يبهج الإنسان ويريحه إلا أن هناك شعورًا ما بالشقاء يسيطر على المزاج الجمعى للناس.. أنا أتكلم عنا هنا فى مصر وليس عن شعوب ينتحر أفرادها أحياناً من فرط السعادة وانعدام المشاكل.. لا يمكن فصل الانسان عن البيئة الاجتماعية والسياسية والثقافية المحيطة به، والتى هى جزء منها.. استلهام السعادة يحتاج لدرجة من الوعى، والحرية هى بوابة الوعى الحقيقية. عندما يملك الانسان حريته فى أن يفكر ويبوح ويؤمن ويتمرد ويبتهل ويرقص- هنا يكون مؤهلا لفهم حقيقة السعادة. السعادة مسألة عقلية ترتبط بقدرة الإنسان على الربط بين ما يفكر به وما يفعله وهذا خلاف اللذة التى هى مسألة حسية بحتة. أحيانًا نقبل على اللذة، ونعيش لحظاتها الأثيرية ثم نحصد بعدها ندمًا.. اللذة ليست فقط اللذة الجنسية ولكن مفهوم اللذة ينطبق على كل ما يستهوى النفس ويحقق لها حالة من النشوة المؤقتة بغض النظر عن حالة ما بعد النشوة. مثلا قد تكون اللذة فى طعام أو شراب أو تغييب الوعى بأى مؤثر خارجى.. فى الكثير من استطلاعات الرأى والدراسات الاجتماعية التى تجريها مراكز ومنظمات دولية عن أكثر الشعوب سعادة يأتى ترتيب الشعب المصرى فى قائمة الأقل سعادة، وأعتقد أننا وصلنا لمرحلة من الشقاء فى العقود الثلاثة الأخيرة حصرت مفهوم السعادة فى القدرة على الافلات من الألم.. أى أنك سعيد بقدر تجنبك أو نجاتك من مصائب الآخرين من حولك وليس لأنك صنعت لنفسك واقعا أضفى عليك ألواناً من السعادة.. وإذا كانت الحرية هى أم الفضائل فإن اضطرار الإنسان جبرًا لأن يتنازل عن حريته لجماعة حاكمة أو فرد فإن الشقاء يأخذ طريقه لأى مجتمع تسلبه القوى الحاكمة والمتحكمة حريته وتدفعه دفعًا للشقاء داخل ما يمكن أن نسميه «حالة العزلة الجماعية».. أتصور أن أى حاكم مطلق الحكم يبدأ فعليا فى فقدان عرشه مع بداية دخول شعبه بشكل جمعى إلى حالة «العزلة الجماعية» والمقصود بها سيطرة مشاعر الاغتراب عن الواقع على معظم الناس، وميل غالبية المجتمع لاستبدال الواقع الفعلى بواقع وهمى أو افتراضى يخلقون معه عالما يتصورون أنه العالم البديل عن العالم المستحيل- بل يخلقون لأنفسهم تدينًا بديلاً يغنيهم عن التدين الرشيد.. ومن أروع ما كتب فى هذا الخصوص ما ورد بكتاب «رسالة فى اللاهوت والسياسة للفيلسوف الهولندى اسبينوزا 1632- 1677 يقول: «ولما كانت حرية الرأى ضرورة للإيمان الصحيح، فإن حرية الرأى ضرورة للسلام الداخلى بالدولة.. حرية الفكر هى دعامة الرأى العام، والرأى العام هو الراصد لكل ما يحدث فى الدولة، وإذا قضى على حرية الفكر قضى على الرأى العام، وأصبحت الدولة بلا دعامة داخلية، يفعل الحاكم ما يشاء وتفعل أجهزة الحكم ما تريد، ومن ثم تنشأ الجماعات السرية المناهضة للحكم فيقضى على أمن الدولة واستقرارها».. هذا الواقع يخلق نوعًا من «التقية» أى ان تخفى حقيقة موقفك اتقاء شر أو ضرر قد يأتى به الجهر بمكنون المواقف.. خلاصة الأمر أننا لم نعد نملك ترف التفكير بكيف نكون سعداء، وأصبح نبع سعادتنا الحقيقى أن نفلت بأعجوبة من الألم والشقاء.. أما قضية الحرية المسبب الأول للسعادة فإنها مهما خفت صوتها تظل أغنية الناس فى وحدتهم وأملهم المنتظر.