رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

عبدالناصر.. والقيم الإنسانية النبيلة

 

< فى الثامن والعشرين من سبتمبر هذا العام يكون قد انقضى خمسة وأربعون عاما على وفاة الزعيم جمال عبدالناصر، ذلك الصرح الشامخ الذى سيظل رمزاً للوطنية وتجسيداً للنضال ومثالاً للعطاء ونبراساً لكل الشعوب الباحثة عن الحرية والعزة والكرامة. إنه الزعيم الخالد بعقيدته وفكره وإنجازاته وقيمه الإنسانية النبيلة التى لا يمكن أن تموت.

< إن حياة الإنسان لا يمكن أن تقاس بعدد سنوات عمره ولكن بقدر عطائه ومدى تأثيره فى أحداث وحركة زمانه، وهكذا أجمع العالم على ان جمال عبدالناصر الذى لم يتجاوز عمره حين مماته أثنين وخمسين عاماً، كان له من السمات الشخصية والذكاء المتقد والعطاء المتدفق والإخلاص الوطنى المطلق ما جعله علامة فارقة ليس فى تاريخ الدولة المصرية فحسب، ولكن فى المحيط الإقليمى بل والعالمى كله، فإذا كان هذا البطل العملاق قد غاب عنا بجسده وتلك سنة الحياة، فإنه كان وما زال باقياً معنا بفكره السياسى الذى سبق به عصره ومبادئه الوطنية التى رسخت قيم الولاء والانتماء والعزة والكبرياء فى الوجدان المصرى والعربى، وهو ما يجب ان نقر به بقناعة ونذكره بصدق فى ذكرى رحيله رغم ما قد يكون لدى البعض من أراء مضادة إما لنوازع شخصية أو لغشاوةٍ فى قراءة التاريخ أو لتوجهات سياسيةٍ خاصة.

< لقد كان جمال عبدالناصر نموذجاً فريداً يحتذى به فى كل مواقفه الوطنية، ولقد أفاض فى شرح ذلك كل المحللين السياسيين بما لا يتسع المقام لسرده الآن, ولكن تبقى بعض الملامح المهمة التى لم يختلف عليها أحد ونذكر منها ما يلى:

< إن مبادئه وأفكاره التى آمن بها واعتنقها وعمل من أجلها، كانت نابعة من عقيدة دينية صحيحة وموروث ثقافى مصرى أصيل وإحساس مرهف بأحداث التاريخ ودروسه، والأهم من ذلك أن تفاعله الوجدانى مع  ما آمن به واعتنقه كان تفاعلاً كاملاً مخلصاً بكل خلجات النفس وأغوارها، حتى صار الشخص والفكرة التى يدعو لها أو القيمة التى يعمل من أجلها وكأنهما شىء واحد، وليس أدل على ذلك من المشهد الرهيب يومى 9، 10 يونيو سنة 1967، حينما خرجت الملايين الهادرة فى كل ربوع الوطن العربى لترفض تنحيه عن الحكم رغم الهزيمة العسكرية التى منيت بها الجيوش العربية. وكان رفض الشعب المصرى لقرار التنحى مخالفاً لكل الأعراف السائدة التى تحتم عزل القائد عند هزيمته، بل وكان الرفض رغم تشكيك البعض فى قدرة القائد على الاستمرار فى المسيرة، ولكن كان الإجماع على رفض التنحى ليس حباً صادقاً للشخص فحسب، ولكن إحساساً وشعوراً يقينياً بأن ابتعاده يعنى سقوط كل قيم الحرية والتحرر والسيادة والعدالة والمساواة التى آمن بها الشعب واتحد حولها.

< إنه من الزعماء الوطنيين القلائل على مستوى العالم الذى استعصى على الاختراق من قبل اعدائه أو أصدقائه بكل وسائل الاختراق المعهودة، سواء بالمال او اللهو او التهديد أو الترغيب، فظلت إرادته قوية صلبة، ودامت قامته شامخة أبية.

< إن الفكر الوطنى المخلص الذى يتوافق مع طبائع الشعوب ويستند إلى مرجعيات صحيحة ومقومات واقعية، لا يموت أبدا حتى وان مات صاحبه أو توارى قليلاً لأى ظروف سياسية أو اجتماعية، فالفكرة بهذا الوصف تظل نابضة فى وجدان الشعوب إلى أن تتحقق بالإرادة الحرة الواعية والإيمان المتأصل فى الذات، ومن هنا قيل بحق إن الفكرة أخطر من الفعل والمعتقد الدفين أهم من السلوك الظاهر، ومن هنا أيضاً كان الفكر الناصرى فى قضايا التحرر والسيادة والاستقلال والعدالة الاجتماعية والحماية الاقتصادية والتوحد العربى، فكراً وطنياً خالصا فى الشخصية المصرية التى اضطرت إلى كبته طوال أربعة عقود ماضية، إلى ان استطاعت استنهاضه من جديد والإفصاح عنه بقوة الثورة المصرية الرائدة فى 30 يونية 2013.

< إن ذكرى الزعيم الخالد وسيرته الوطنية تستحق قدراً أكبر من الدراسة والتأصيل فى مناهج التعليم المختلفة حتى نغرس روح وقيم الانتماء والولاء للوطن فى نفوس الأجيال المتعاقبة، بما يعيد لمصر مكانتها الحضارية وريادتها الإقليمية المستحقة .