رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

اليوم الأخير (3)

البطل والأبالسة

رحل السادات فى نفس يوم عرس مصر، فى نفس اليوم الذى كان يحتفل فيه بين رجال نظامه وجنوده وضباطه بذكرى انتصارات أكتوبر العظيمة، فى ذلك اليوم السادس من أكتوبر عام 1981، بدى كل شىء يروق للناظر، السماء صافية والشمس مشرقة ومصر تتهيأ للاحتفال بأخلد أيام تاريخها، والسادات –على غير عادته– قرر الذهاب إلى العرض العسكرى بلا سترة تحميه من الرصاص، رغم أن زوجته «جيهان صفوت رؤوف» قد طلبت منه أن يرتدى تلك السترة وألا يذهب إلى العرض بدونها، لكنه رفض وقال لها بالحرف الواحد: (لست فى حاجة إلى هذه السترة، فبعد قليل سأكون بين أصدقائى وإخوتى وأبنائى من رجال القوات المسلحة وغالبية أعضاء الحكومة، أى سأكون مع أهلى، فهل هناك من يمكن أن يخاف من أهله يا جيهان أو يتوقع الغدر منهم؟ لا داعى للسترة والله خير حافظ).

فى تلك الأثناء هرول إليه أحفاده الثلاثة، يتنافسون على التعلق برقبته وهم يحاولون إقناعه السماح لهم بالذهاب معه وحضور العرض العسكرى، فهو بالنسبة لهم فسحة رائعة لا يجب أن يفوتوها، حاولت جيهان بلطف وبرقة أن تحول بين السادات وأحفاده، لكن الجد الطيب الذى لم تفارق وجهه الابتسامة، عز عليه أن يرفض طلبهم ولم يمانع فى تلبية مطلبهم وقال لزوجته: (دعيهم يرتدون ملابسهم وخذيهم معك وأنت تلحقين بى، ليشهدوا احتفالات ذلك اليوم الرائع والذى أظن أنه لم ولن ينمحى من ذاكرتهم مدى الحياة).

بالطبع، لم يكن هناك ما يشير من قريب أو من بعيد إلى أن ذلك اليوم سيكون الأخير فى عمر وحكم السادات، سيكون يوم انتصاره هو نفسه يوم مصرعه، كما لم يتوقع السادات نفسه ولم يكن من الممكن أن يتوقع أن تأتيه الطعنة وهو فى حماية من عاش وتربى معهم وتعلم على يديهم أبجديات حب مصر، لم يكن يتوقع أن يخرج من بين أفراد القوات المسلحة ممن كانوا يهتفون الله أكبر وهم يعبرون قناة السويس، من يرضى تلويث يده بدم صانع قرار نصر أكتوبر.

فالسادات هو ابن المؤسسة العسكرية وأحد كبار الضباط الأحرار وأول من أذاع بيانها فى 23 يوليو عام 1952 ثم إذا به يغادر الدنيا ويلفظ أنفاسه الأخيرة ويرحل إلى جوار ربه تحت سمع وبصر المؤسسة العسكرية أيضاً.

المهم، ارتدى الرجل ملابسه وحزم أمره وخرج من بيته آمناً مطمئناً، ركب سيارته المكشوفة فى موكب مهيب متجهاً إلى حيث سيقام العرض العسكرى السنوى عند «المنصة بمدينة نصر».

لا يستطيع أن يـخـمن أحد ماذا كان يدور برأس السادات وهو يقطع شوارع القاهرة وبصحبته نائبه «محمد حسنى مبارك»، لكن من المؤكد أنه بمجرد أن بدأ العرض، قد نسى كل شىء وأسلم عقله وقلبه وبصره وبصيرته ليتماهى مع آخر ما أبدعته العقلية العسكرية المصرية فى مجال التدريبات القتالية والتعامل مع أحدث المعدات الحربية سواء المنتجة محلياً أو المستوردة من الخارج.

كان المصريون –كعادتها فى مثل ذلك اليوم من كل عام– يجلسون أمام شاشات التليفزيون أو ينصتون للإذاعة، يتابعون البث الحى المباشر لوقائع ذلك العرض العسكرى.

ظهر السادات كعادته واثقاً من نفسه هادئ الملامح، كان جالساً فى الصف الأول يحيط به كبار المسئولين الحكوميين والعسكريين، على يمينه حسنى مبارك ثم الوزير العمانى «شبيب ابن تيمور» مبعوث السلطان «قابوس»، -الحاكم الوحيد من الحكام العرب الذى لم يقطع علاقته مع مصر بعد زيارة السادات للقدس- ثم ممدوح سالم مستشار رئيس الجمهورية، فالدكتور عبدالقادر حاتم المشرف العام على المجالس المتخصصة، فالدكتور صوفى أبو طالب رئيس مجلس الشعب، أما على يسار الرئيس السادات فكان يجلس وزير الدفاع محمد عبدالحليم أبو غزالة والمهندس سيد مرعى المستشار السياسى للرئيس، فعبدالرحمن بيصار شيخ الأزهر، فالدكتور صبحى عبدالحكيم رئيس مجلس الشورى، فرئيس الأركان عبد رب النبى حافظ، ومن بعد كل هؤلاء قادة الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة، بينما كان يجلس فى الصف الثانى سكرتير السادات الخاص فوزى عبدالحافظ.

وللحديث بقية فى الأسبوع القادم.