رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

معنى الطغيان فى فضيحة الاعتداء على مصطفى النحاس

 

 

«حامد» يستند إلى «هيكل» مع ما هو معلوم عنه من تشويه للتاريخ

محكمة الثورة كانت موجهة أساسًا ضد الوفد وتمت بلا تحقيقات

التهوين من شأن «النحاس» ضرب متعمد لكل ما يمثله من انتصار لقيم الحرية والكرامة

تجاهل مؤلف «الجماعة 2» لمواقف النحاس الصلبة يثير الريبة بشأن ما كتبه

 

فى حلقة جديدة من مسلسل الاعتداء والتشهير والتزوير المستمر على مصطفى النحاس زعيم الشعب وقلعة الحريات وصخرة وسند الحقوق والواجبات والمواطنة.. يقدم الكاتب وحيد حامد مشهدًا مبتذلًا مزيفًا يعتدى به على تاريخ الوطن ونضال الشعب المصرى على طريق الحريات العامة ودولة القانون والمواطنة.

< باستخفاف فاجر يقدم مسلسل «الجماعة 2» مشهدًا لتقبيل النحاس يد الملك فاروق فى واقعة مزورة وغير حقيقية بغرض بث روح من الاستهانة وعدم الثقة فى تاريخ وقيمة زعامة الأمة المجسدة فى مصطفى النحاس.. وقام الممثل محمود الجندى بتقديم النحاس فى شكل متهافت ومتخاذل ومبتذل فينحنى ويقبل يد الملك بشكل غير لائق وفى واقعة غير حقيقية كاذبة برائحة فجور العهر ولا أعلم كيف يقدم ممثل مصرى على القيام بابتذال نفسه فى تسجيل وقائع غير حقيقية فى افتقاد كامل للحس التاريخى والمعرفة بتاريخ الوطن وقبول التورط فى أعمال مهينة لبنى وطنه وجلدته.

< ويستند كاتب العمل إلى محمد حسنين هيكل الذى نقل مصادره إلى حسن يوسف الذى لم يذكر هذا فى مذكراته وإنما ترجع تلك الشهادة إلى حسين سرى رئيس الوزراء الأسبق ورئيس الديوان الملكى فيما قاله فى شهادته أمام محكمة الثورة لينجو بنفسه مقدمًا لنظام 23 يوليو صيدًا ثمينًا يستخدمونه فى تلويث خصمهم الأول والأوحد زعيم الشعب مصطفى النحاس إذا يقول حسين سرى فى شهادته إنه كان مختبئًا خلف الستار لمدة ساعة ونصف الساعة اثناء لقاء النحاس مع الملك وأنه فوجئ بمصطفى النحاس يقول للملك إنه له طلب عنده، فانزعج الملك وأبدى قلقه من مطالب النحاس الذى قال له إنه يريد أن يتشرف بتقبيل يده وقبلها.. تلك هى الشهادة الحقيرة التى قدمها حسين سرى.

< بالطبع، يتلاحظ لنا ما يلى.. 1 ـ لماذا يختفى الشيخ السبعينى حسين سرى خلف الستار ساعة ونصف الساعة وهو المريض بالسكر مما يكشف استحالة حدوث ذلك على مستوى التحمل النفسى أو الجسمانى.

2 ـ ما الذى يدفع مصطفى النحاس زعيم الأمة لأن يتفوه بهذه الكلمات الرخيصة الهابطة والتى لا تصدر إلا من مرضى مازوخيين وفى هذا مجافاة للمنطق السليم.

3 ـ هل كان لقاء رئيس الوزراء المنتخب مع ملك البلاد لقاء سريا ولماذا يختبئ رئيس الديوان خلف الستار ولماذا لا يتواجد المسئولون الطبيعيون فى مثل هذه اللقاءات وألم يكن حريًا بفاروق أن يستدعى الصحفيين لتسجيل تلك الواقعة الفريدة فوتوغرافيا لتكون شاهدة على ألد أعدائه هو وأبيه..!!

4 ـ الكاتب حامد ورئيس الفريق البحثى السيد حمادة حسنى لا يعلمان أن حسنين هيكل هو الكاتب الأول للدولة الشمولية الناصرية والتى زيفت تاريخ البلاد طبقًا لما تراه وأن كتابات هيكل معلوم عنها أنه يقدم ويؤخر ويحجب ما يشاء من المعلومات طبقًا لمصلحته وما يراه محققا لأهدافه وانهما لا يعلمان أيضًا أن شهادات حسين سرى أما محكمة الثورة هى منجاة له والتقاء لأهداف واحدة للطرفين الشاهد والمحكمة المزعومة..!!

< فى اعقاب قيام حركة 23 يوليو وتكليف على برئاسة الوزراء استدعى ماهر سليمان حافظ مستشارًا لرئاسة مجلس الوزراء منتدبًا من مجلس الدولة ليعد التشريعات المطلوبة بناء على طلبات مجلس الثورة وهو ما صادف استحسانا من مجلس الثورة، فسليمان حافظ زميل فتحى رضوان صديق الضباط الأحرار وهو العدو الكلاسيكى للوفد ومعه على ماهر والسنهورى.

< المادة 51 من دستور 23 تنص على ألا يتولى أوصياء العرش عملهم إلا بعد أن يقرأوا اليمين أمام مجلس النواب والشيوخ وتنص المادة 52 على انه عند وفاة الملك يجتمع البرلمان خلال عشرة أيام من الوفاة فإذا كان منحلًا وجب دعوة المجلس المنحل وعليه كان مفترضًا أن يستدعى البرلمان الوفدى المنحل..!! ولكن سليمان حافظ لجأ إلى فكرة عرضها د. حسن البغدادى عميد حقوق الإسكندرية تقضى بالأمر الملكى رقم 23 لعام 1922 الذى يكفل إنشاء وصاية مؤقتة ييسر لمجلس الوزراء إقراره بحكم توليه السلطة التشريعية فى غياب البرلمان بالطبع وافق السنهورى ووافق مجلس القيادة وعرضوه على قسم الرأى بمجلس الدولة الذى وافق بالاجماع عدا وحيد رأفت.. وهكذا انفرد مجلس قيادة الثورة بالسلطة برعاية سليمان حافظ والسنهورى وكتب سليمان حافظ لمصطفى مرعى (باء الوفد بالخيبة وبؤت مع السنهورى بالفوز بما كنا نبغيه).

< أصدروا قانونا جديدا للأحزاب يصاحبه حملة لاعتقال قادة الأحزاب فى سبتمبر 52 وقال فتحى رضوان إن هذا القانون ديمقراطى كما فى العراق وألمانيا الغربية..!!

فى تصريح يحمل دلالة الديمقراطية الجديدة.. ثم توالت أعمال حصار الحزبية وتم إسقاط دستور 23 فى ديسمبر 52 رحلت الأحزاب فى يناير 53 واصبحت مصر على صفيح ساخن دفاعًا عن الديمقراطية.

< كان 23 أغسطس من كل عام احتفالًا واسعًا فى البلاد بذكرى سعد ولكن فى عام 53 كانت الأحزاب قد تم حلها وتقدم النحاس بالتصريح للاحتفال فرفضت الحكومة.. فى صباح 23/8/1953 فوجئ الناس بالزعيم النحاس يترجل من سيارته أما ضريح سعد ويدخل الضريح وتوافدت الجماهير وأحاطت بضريح سعد ولم تستطع قوات الأمن أن تحول بين الجماهير وتحية النحاس وألقى النحاس خطابًا هاجم فيه الثورة والأساليب التى اتبعتها للقضاء على الحرية والدستور والحياة النيابية وهاجم اعتقال الحكومة للناس والأفراد وقال إن أمانى مصر القومية قد أهدرت على يد الحكام الجدد وحذر من مغبة التفريط فى حقوق الوطن وأن حبل الباطل قصير وإن طال يشنق صاحبه... وقد صدق النحاس.

< قوبل خطاب النحاس بحماس كبير وتمت طباعته وتوزيعه لأن الصحف امتنعت عن نشره.. أعقب هذا أن ذهب النحاس لصلاة الجمعة بالإسكندرية بجامع أبوالعباس وما إن دخل النحاس المسجد قابله المصلون بالهتاف والدعاء وانتشر الخبر فتجمع الناس إلى المسجد لتحية النحاس وحيا إمام المسجد النحاس ودعا له وللوطن وانتهت الصلاة وخرج الزعيم فكان الميدان والشوارع المؤدية إليه يموج بآلاف المواطنين ولم يعد هناك موضع لقدم... وبالطبع حاول الأمن التفريق دون جدوى وهتفت الناس «لا مفاوضة مع الإنجليز ـ النحاس زعيم الأمة ـ الشعب يرفض الديكتاتورية ـ أين الدستور...» كان يومًا صاخبًا محتشدًا والتحمت الشرطة بغلظة مع الناس وأبت الناس إلا أن تحيط بالزعيم وتهتف فى حب الوطن.

< اجتمع مجلس قيادة الثورة وقرر اعتقال النحاس وحرمه بتحديد إقامتهما بالقاهرة وأقام مجلس قيادة الثورة مؤتمرًا موسعًا فى 16/9/1953 بعابدين خطب فيه نجيب وناصر وصلاح سالم وهاجموا الوفد ومصطفى النحاس وفى هذا اليوم أصدر المجلس أمرًا بتأليف محكمة الثورة التى تختص بالنظر فى الأفعال التى تعتبر خيانة للوطن وموجهة ضد نظام الحكم الحاضر... وكانت قائمة المتهمين الأوائل إبراهيم فرج ـ سليمان غنام ـ إبراهيم عبدالهادى... إلخ..

< محكمة الثورة كانت موجهة أساسًا ضد الوفد وحوكم من الوفد كل الأعضاء الذين لم يبلغوا الخامسة والستين وكانت محاكمة سراج الدين هى الأطول وتحولت فيها المواقف الوطنية التى  تجلب الفخار فى تاريخ الوطن والوفد إلى مواقف للعيب والطعن والأسف.. وكانت المحكمة تنعقد خلف باب رفعت عليه الآية: «واقتلوهم حيث ثقفتموهم»!! والمتهمون يواجهون المحكمة بلا تحقيق ويوجه الادعاء التهم كنوع من المفاجآت وعندما انتهت جلسات  محكمة الثورة «أكتوبر 53 ـ ابريل 54» كانت معظم قيادات الوفد قد أصبحوا خلف القضبان... تلك هى محكمة الثورة التى يستند  مزورو التاريخ حامد ومن معه إلى شهادات تحت التهديد والكيد لأصحابها.

< ولعل واقعة تصوير المشهد المبتذل المزور لمصطفى النحاس هو الأكثر خروجًا ودناءة وفجرًا فى التشهير والكيد وهو فى هذا يتشابه مع خسة أقدمت عليها جريدة الأهرام فى 19/6/1954 حينما جعلت المانشيت «زينب الوكيل ترفض الحياة مع مصطفى النحاس» وكتب عناوين فرعية «محاولة الانتحار مرتين تخلصًا من العودة لمنزل الزوجية ـ اعتصامها بالبوليس الحربى..» وقد أرسلت السيدة زينب الوكيل بيانًا أرسله محاميها أحمد رشدى لكافة الصحف وتقول فى نهايته «لو صح  ما نشر فيما زعمت تلك الصحف فإننى أكون امرأة لا تعرف للكرامة سبيلًا وما أعرفه لحسبى ونسبى يقتضى أن أصونه وأننى لم ولن أطلب الطلاق من زوجى مصطفى النحاس».

< ولا يخفى على كاتب العمل ومخرجه ومنتجه أن التهوين والاعتداء على مصطفى النحاس هو ضرب متعمد لما يمثله من انتصار لقيم الحرية والاستقلال والكرامة الوطنية والحقوق العامة وأن هذا الاعتداء يتم لحساب الانتصار لدولة الطغيان والشمولية ونشر التضليل المتعمد لتسويغ أفكار الاعتداء على الحريات العامة وصناعة الديكتاتورية والاستبداد الذى لم يزل يناضل الشعب المصرى فى مواجهته منذ ستة عقود ويزيد.

< ولعل ما يثير الريبة أن يتجاهل المسئولون عن العمل الكاذب مواقف النحاس الصلبة فى تلك الوزارة وفى تشكيلها... فعندما اعترض فاروق على اسم طه حسين فى تشكيل الوزارة وعلى نهج أبيه فؤاد رفض النحاس بشدة وبالفعل صدر التشكيل الوزارى كما هو مقدم... عندما تم تعيين عبدالمجيد عبدالحق فى منصب وزير دولة للاقتصاد خلفًا للدكتور حامد زكى الذى استقال كانت الحكومة مجتمعة مع الملك فى احتفال مولد ولى العهد فى بدايات يناير 52 وهمس سراج الدين للملك أن ينعم على عبدالمجيد عبدالحق برتبة الباشوية لأنه الوزير الوحيد الذى لم يحصل عليها ولكن الملك رفض... وفجأة صاح النحاس بعبدالمجيد عبدالحق قائلا: اشكر مولانا على الباشوية فقال فاروق أنا لم أقل شيئًا يا باشا فرد النحاس إننا نمثل جلالتك فالدستور ينص على أن الملك يباشر سلطاته عن طريق وزرائه وتقدم عبدالمجيد عبدالحق نحو الملك مصافحًا فلم يكن أمام الملك إلا مصافحته وظل متجهمًا... وأمر النحاس سراج الدين بأن يراقب بيان كبير الأمناء عن الاحتفال إذا جاء اسم عبدالمجيد دون لقب باشا فيمنع النشر فورًا وصدر البيان وبه اسم عبدالمجيد عبدالحق مقرونا بلقب باشا... أليست تلك الواقعة جديرة بالتمثيل لما لها من دلالة بالغة عن احترام الدستور... وذلك بديلًا لمشاهد الابتذال والإسفاف المقصودة المزيفة.

< ولعلنا نتذكر ما حدث فى احتفال السعيدية الثانوية فى أغسطس 83 حينما انتقد سراج الدين المشاهد المبتذلة عن رؤساء الأحزاب فيما قبل 52 فى مشاهد فيلم درب الهوى والتى مثلها  حسن عابدين ولم تمر أيام إلا وأقدمت الحكومة على منع عرض الفيلم وكان حجم الابتذال الموجه بالغًا... وذكر فإن الذكرى تنفع القائمين على الأمر... فتجاهل تزوير التاريخ والاعتداء على زعامات الشعب هو أمر مزرٍ ويشى برؤية بائسة لمستقبل الديمقراطية وقيم التسامح والمواطنة... وبالطبع فإن استمرار الاعتداء على تاريخ مصطفى النحاس هو تعبير عن حجم الغضب والضيق الذى تحمله أجهزة الإعلام الشمولية المعبرة عن سياسات النظام وما ترغب فى ترويجه لهدم وتشويه معانى الحرية والحقوق العامة والحزبية وأفكار التداول السلمى وتؤكد للمرة الألف أن هؤلاء الشموليين لم ينسوا أبدًا الصفعة واللطمة التى وجهها لهم مصطفى النحاس فى جنازته الكبيرة التى خرج فيها أكثر من مليون مواطن دون تنظيم أو إعلام فى ظل صعود الدولة الناصرية وسطوعها فى 1965...  خرجت الجماهير تودع زعيمها وتهتف: لا زعامة بعدك يا نحاس...  عشت زعيمًا ومت زعيمًا يا نحاس... فماذا نقول للصغار خدام الطغيان والاستبداد؟...!!