رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هموم مصرية

الإعلان النكتة.. مطلوب مؤرخ!

إعلان.. ولا كل الإعلانات.. فقد سمعنا عن إعلانات طلب وظائف.. وطلب موظفين.. أو حتى شقة للبيع أو الإيجار.. أو بيع مزرعة أو طلب مديرين.. ولكننى ضحكت ولكنه ضحك كالبكاء من إعلان نشرته إحدى الدول بالأهرام. يقول: مطلوب مؤرخ. وبالذات باحث فى التاريخ العربى بشكل عام.. والخليج العربى بشكل خاص.. بدرجة أكاديمية دكتوراه فما فوق.. يعنى مطلوب «الدكاترة.. فلا» وكان فى مصر عدد ممن يحملون أكثر من شهادة دكتوراه، من أشهرهم الدكتور السوربونى «والدكاترة زكى مبارك»!!

وكان الأفضل الاكتفاء بتعبير «باحث.. فى التاريخ العربى» أما المؤرخ فى نظرى فيجب أن يكون من أبناء البلاد.. يفهم لغتهم، وتعبيراتهم الشعبية.. بل وماذا يأكلون وكيف يمرحون!! أما مطلوب «مؤرخ» جاهز دون أن يكون ممن عاشوا كل ذلك.. فهذه هى النكتة.

<< مثلاً أرى أن ابن بطوطة ليس مؤرخاً، مثل المقريزى ومثل الجبرتى ومثل ابن تغرى بردى.. لأن ابن بطوطة «رحالة» مثل عبداللطيف البغدادى.. وحتى مثل  ماركو بولو.. لأن كلهم سجلوا ما شاهدوه.. ولم يؤرخوا لحياة الشعوب التى زاروها..  مجرد «شهور» بل هناك من يرى أن هيرودوت ليس مؤرخاً وإن أرخ لكثير من المشاهدات.. أى هو «شاهد.. ثم كتب.. أو استمع ثم سجل.. ولذلك كانت له غلطاته ورؤاه!!

والجبرتى شيخ مؤرخى مصر من أواخر عصر المماليك الى ثلث عصر محمد على.. شاهد وسجل، وعقب. وشرح.. ولذلك يأتى تاريخه صورة  تصور لنا الحياة المصرية بالذات فى الثلث الأول من القرن 19.. وكذلك المقريزى وبالذات فى خططه.

<< اللهم إلا إذا كان المطلوب «باحث فى التاريخ» يقدمون له ما يملكون من وثائق ومستندات وحجج.. فيعكف على قراءتها ودراستها ومحاولة «قراءة» ما بها من معلومات. رغم أننى أرى أن أفضل المؤرخين هم من خرجوا من نفس الشعب الذى يؤرخ له.. مثلاً أرى أن أفضل من كتب عن تاريخ سلطنة «عمان» هم العمانيون أنفسهم سواء من سجلوا للتاريخ السحيق، أو بدأوا مع أسرة البوسعيد، وبالذات تاريخهم فى شرق أفريقيا وزنجبار..  مثلاً.

<< لأننا لا يمكن أن نفصل بين تاريخ الشعب.. وروح هذا الشعب. وربما لذلك نرى أن الجبرتى هو أفضل من أرخ لمصر من أواخر القرن 18 وأوائل القرن 19.. وكذلك نرى أن عبدالرحمن الرافعى وصل الى مكانته الأولى بين مؤرخى مصر الحديثة بسبب معايشته لحياة وتاريخ ونضال المصريين.. وتعمق فيما قرأ ودرس وترجم عن الذين أرخوا لمصر، فى نفس الفترة التى بدأها الرافعى من الحملة الفرنسية وإلى بدايات ثورة 23 يوليو 1952. أى جمع بين المشاهدة.. والمعايشة.. والدراسة ليقدم لنا رؤيته، رغم أننا يجب أن نتحفظ كثيراً على بعض آرائه ـ من حزب الوفد مثلاً ـ بسبب كونه من أقطاب وقادة الحزب الوطنى، القديم، كذلك رأى الجبرتى الشخصى فى محمد على بسبب علمه أن محمد على كان وراء مقتل ابن الجبرتى نفسه!!

<< المؤرخ هو من يعايش.. ولسنوات طويلة الشعب الذى سيؤرخ له.. وليس فقط مجرد قارئ لأى مستندات.. لأنه هنا يصبح مجرد باحث سواء لإعداد رسالة ماجستير.. أو حتى باحث للحصول على درجة دكتوراه.. وهذه وتلك أولى بها أبناء البلد نفسه.. وأنفسهم..

نقول ذلك  رغم قناعتى ـ بأن الرحالة الذين  زاروا مصر ـ وعلى مدى قرون هم الذين قدموا لنا صورة الحياة المصرية: الاجتماعية ـ والاقتصادية. والسياسية والفنية.. وفى مقدمتهم إدواردلين مثلاً.. أو الذين كتبوا عن أسرة محمد على منهم، وإن كنت أرى أن المؤرخين المصريين هم أفضل من كتبوا وأرخوا لكل هذه الفترات!!