رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

ندى

سلطة المثقفين.. وثقافة السلطة

استمرت العلاقة معقدة وملتبسة بين المثقفين المصريين والسلطة الحاكمة بعد قيام ثورة 23 يوليو 1952، التى اعترف قائدها جمال عبدالناصر بأنه تأثر بمبادئ الفكر الثورى من كتاباتهم قبل الثورة حتى أصبحت من مكونات مشروعه الثورى، لكن المشكلة بدأت بعد استقرار النظام، فكل من الطرفين كان ينظر إلى العلاقة من منظور مختلف، فالمثقفون كانوا يطمحون إلى أن تكون مشروعاتهم التى حلموا بها للنهوض بمصر هى ما ينبغى أن يتبناه النظام، فيما كان النظام يتطلع إلى احتوائهم كأدوات لتحقيق مشروعه.

والعلاقة لم تكن فى يوم من الأيام طيبة بين المثقف والسلطة، فهى دائمًا تنظر إليه نظرة توجس وشك وعدم اطمئنان، وبالجملة تضعه فى خانة المعارضة، والواقع أن المثقف بحكم طبيعته إنسان يدعو إلى الكمال ويعمل على تحقيق الأفضل للمجتمع، ولذلك فإنه لا يرضى عن الأحوال القائمة سواء كانت حسنة أو سيئة، أما الأحوال الحسنة فإنه يريد ما هو أحسن منها، وأما السيئة فإنه ينبه دائمًا إليها، ويدعو إلى تغييرها، وفى كلا الحالين يبدو المثقف غير راض بل وأحيانًا غاضباً، ولأن تأثير المثقف يمتد إلى الجماهير، فإن السلطة تخشى من نفوذه فيهم، وتأثيره عليهم، ولذلك فإنها تحاول بكل الطرق أن تبعده عن الجماهير، وتبعد الجماهير عنه، ولها فى ذلك طريقتان: إما تستقطبه لجانبها بالمغريات المادية والأدبية، وإما أن تضيق الخناق عليه، وتغلق النوافذ من حوله.

وينقسم المثقفون أمام هذا الوضع أيضًا إلى فريقين أحدهما يسرع بمهادنة السلطة والتخلى عن مشروعه الثقافى النابع من ذاته، والمفروض عليه من واقع الجماهير فيقوم بتوظيف موهبته وقلمه لتفسير أعمال السلطة، وتبرير أخطائها إذا لزم الأمر، وهؤلاء فهموا أسس اللعبة مع النظام وأتقنوا السير على حباله، وتضاعف عددهم فى الحقبتين الساداتية والمباركية، فنالوا الفطائر الدسمة، وهم يلعنون السلطة فى جلساتهم الخاصة أحياناً، والسلطة تعرف ذلك بالطبع لكنها تغض الطرف عنه، لأنها تدرك أنهم لن يستطيعوا أن يأكلوا الفطيرة، ثم يحتفظون بها فى الوقت نفسه، بمعنى أنهم لا بد أن يخسروا شيئاً، وللأسف فإنهم لا يخسرون إلا أنفسهم، والفريق الثانى يظل متمسكًا بموقفه منبهًا إلى طرق الإصلاح ومحذرًا من التهاوى فى المزيد من الفساد.

والخلاصة أن السلطة قد تنتصر على المثقف وقتيًا وفى ظروف محددة، ولكن شهادة المثقف عليها تبقى دائمًا لكل العصور.