رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

خارج السطر

فيلم شاهدناه من قبل

هُنا مولد الفراعنة. هُنا يُصنع الحاكم الذى لا شريك له . السلطان الأحكم والأرشد والأنبل والأعدل والأذكى والأدهى والأقدر والأتقن والأخلص. الرجل الذى ليس كمثله شىء، يعلو ولا يُعلى عليه، لا ينطق إلا حكمة، ولا يُفكر إلا بعبقرية، ومن فيض خبراته تتعلم البشرية.  مَن يحكم مِصر ينقلب برداً وسلاماً بحكم المُصفقين الذين يصرون على تكرار وصم الحاكم بأنه هدية الأقدار وبأن فعاله كلها صواب وفعال غيره خطايا وسقطات.

ما جرى فى الأسبوع الماضى من تحريض علنى سافر لتعديل الدستور يؤكد أن المطبلاتية والزمارين لا يخجلون . تحدث الرئيس السيسى للناس، وتناول الدستور ــ عن قصد أو غير قصد ــ وقال إنه كُتب بنوايا حسنة، وأن الأمم لا تُبنى بالنوايا الحسنة وحدها. واشتم البعض توجها من الرجل لتعديل الدستور الذى يُقلص صلاحياته كرئيس للجمهورية ويمنح البرلمان حق ازاحته، وهللوا وتنادوا وأطلقوا صيحاتهم مُبادرين بضرورة إعادة السلطات لرئيس الجمهورية وسحبها من ذلك الكيان الفاسد الآثم الذى يُسمى برلمانا.

وكأن الشعب المصرى مجموعة من القطعان توجه يميناً فتتجه، ثُم توجه يسارا فتمضى. وكأن ما يقوله النُخبة هو الحق وما يقوله مَن هُم خارجها هو الضلال والغى، وكأن ما يقوله الرئيس هو وحده الخير وما يراه غيره خيانة ومؤامرة.

لقد التف الناس حول السيسى كمُخلص من حُكم فاشى يسحب الناس نحو مشروع قروسطى، لكن ذلك تم بموجب اتفاق وعقد  يتحول بموجبه الفرِعون إلى خادم، والحاكم إلى موظف لدى الناس. بهذا التصور حاز السيسى محبة وشعبية ورضا كثيرين كانوا يعتبرونه رئيس الضرورة فقط.

أما أن تنطلق دعوات تعديل الدستور بهدف صناعة زعيم أو استنساخ قائد أو فرعنة رئيس فلاشك أن ذلك يُمثل نكوصاً وانقلاباً على ثوابت ثورتى 25 يناير و30 يونيو على السواء . فالدستور الذى التففنا حوله هو عقد الأمان الوحيد الذى يضمن لهذه الدولة الاستقرار، ويمنح الناس حرية الحلم بوطن أكثر تقدما وتحضراً. وتلك الوثيقة التى دبجنا المدائح وغنينا المواويل فى التغزل فيها لا يُمكن شيطنتها وتمزيقها فى لمح البصر لأنها تُقيد الرئيس أو تحد من أعماله.

الدستور ليس قرآنا .ليس مُقدسا، ليس حتمياً .  نعم  هذا صحيح، لكنه أيضاً ليس سُلماً مُتحركا، ليس مُجرد جسر، ليس ممر انتقال . والكلام السهل عن تعديله وتغييره ونسفه وضبطه يحول تجربة الديمقراطية بالكامل إلى تمثيلية سخيفة سيئة الإخراج.

التعديل هو البداية لجرجرة المصريين نحو الحاكم الفرد. نحن شعب يؤله حُكامه ونظرة بسيطة على التاريخ تُذكرنا كيف حولنا عبد الناصر إلى نصف إله، وصنعنا من السادات طاووساً، ولقبنا مُبارك بحكيم العرب.

فى الجزائر قبل شهور عدلوا الدستور ليمنحوا رجلا قعيداً حق الترشح لفترة تالية لأن النخبة تعتبره الحل الوسط المحقق لاستقرارهم والمحافظ على مصالحهم، وبكى مُبدعون جزائريون من مشهد الرجل وهو يُقدم أوراق ترشحه على كرسى مُتحرك.

وهذا المشهد يُمكن أن يزور مِصر إن خرج مطبلاتية السُلطة يُطالبون بحق تمتع مصر بهبة الله العظيمة المُتحققة فى السيد الرئيس ليحكم دون تحديد  مدة مثلما جرى فى عهود سابقة.

ما أتصوره أن ما شاهدناه وشهدناه مؤخراً فيلم مُكرر عُرض علينا مرارا.

والله أعلم.

 

[email protected]