رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

على فين؟

لا أقدم القرابين للآلهة!

 

 

من المهم أن تعرف أولًا أن شم النسيم هو عيد مصرى خالص، لا يخصُّ المسيحيين وحدهم.. ولكنه يخص المصريين جميعًا.. ومن المهم أن تعرف أن الذين يأكلون الفسيخ والرنجة والبصل ويلونون البيض، ليسوا مسيحيين فقط.. فهى عادة مصرية منذ عصر الفراعنة.. فقد كانوا يقدمونها كقرابين للآلهة.. وحديثًا فإن العادة مستمرة، وحتى الذين يذهبون للمستشفيات آخر اليوم ليسوا فقط مسيحيين!

وسوف تجد على جدران المعابد نفس العادات.. بل كانت هى الأصل، والمصريون حديثًا يقلدون هذه العادات القديمة.. وحتى العيد عند الفراعنة كان اسمه «شمو».. أى شم النسيم الآن.. وكانت الاحتفالات بالأسماك المجففة والمملحة، وكانوا يقدمونها قرابين للآلهة.. هكذا كان المصريون قديمًا، وهكذا هم الآن.. طبعًا هناك استثناءات.. هناك أناس لا يأكلون الفسيخ ولا الرنجة ولا الملوحة بالذات فى شم النسيم.

فلا أذيع سرًا أننى واحد من هذه الاستثناءات، التى لا تأكل الفسيخ ولا الملوحة، ولا ألون البيض ولا اقدم القرابين للآلهة ولا حتى للأنظمة.. جزء من هذه الأسباب يعود إلى الطريقة التى كنت ألزم بها نفسى فى المعيشة.. فلا آكل إلا من الأشياء معلومة المصدر.. وكان زمان هناك رجال يبيعون الملوحة والسردين فى القرى.. وكان شكلها قاتلًا ومزعجًا، فلم أقربها، وكنا نستبدل بها «السمك» فى هذا اليوم بالذات.

فليس شرطًا أن نأكل السمك المدخن أو المعفن أو المملح.. وليس شرطًا أن يكون فى هذا اليوم بالذات، خاصة أن البعض يمارس الغش، ويسيء عملية التجهيز والإعداد، مما يجعل الكثيرين تضج بهم المستشفيات، ونطلب لهم الإسعاف..وحتى البيض الملون كنت أخشى منه، حتى لا تتسرب الألوان إلى البيض عبر المسام.. وكانت البداية تتعلق بالخوف، ثم تحول الأمر إلى خوف من الأملاح وتأثيراتها الضارة.

إذن يبقى السؤال: كيف كنت أحتفل بشم النسيم؟.. شخصيًا كنت أصحو مبكرًا لأشم النسيم الطرى قبل أن يلوّث.. وكنت أتجه إلى حدائق الموالح.. وكانت الزهور تفوح برائحة رائعة صباحًا.. ثم أذهب لأقف على النيل، وأنظر إلى صفحة النهر، وأشاهد المحتفلين فى المراكب النيلية، يأكلون الخس والرنجة أو السردين، ويلونون البيض، وأستمتع فقط بالمشاهدة.. ثم ألبى دعوة على المراكب بعض الوقت والسلام.

ولا أقول امتنعوا عن أكل الفسيخ والرنجة.. لكن أقول تأكدوا من صلاحية عملية الإنتاج.. وتأكدوا من مصدر الإنتاج.. مصانع بير السلم لا تتحرج من إنتاج بضاعة فيها سم قاتل.. كثيرون يلعنون هذا اليوم، ثم يعودون إلى عشقهم القديم، بحجة أنهم تحرّوا مصدر الفسيخ أو الرنجة.. فلا تعتمدوا على أن الله وهبنا معدة من حديد.. الغشاشون يستغلون هذا.. الرقابة لن تذهب إلى كل شبر فى الريف أو المدن.

طقوس شم النسيم لا ترتبط بمسيحيين أو مسلمين.. لكنها ترتبط بحياة المصريين، منذ آلاف السنين.. هذه الطقوس منقوشة على المعابد، كما هى الآن بالضبط.. شيء مبهر فعلًا.. لكنها بدأت بتقديمها كقرابين، فى بداية موسم الربيع.. وأنا للأسف لا آكل الفسيخ ولا ألوّن البيض، ولا أقدم القرابين للآلهة أو الأنظمة!