رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

بدون رتوش

استفتاء السلطة المطلقة

يظل أردوغان مسكوناً بالديكتاتورية نهماً بامتلاك مقدرات الأمور فى الدولة، تحركه رغبة عارمة فى الاستحواذ على السلطة، بحيث لا يناصبه أحد فيها، ولهذا كان حريصاً على سريان مشروع التعديلات الدستورية والذى يهدف إلى تحويل النظام السياسى من برلمانى إلى رئاسى يمنح بموجبه أردوغان صلاحيات تنفيذية سعى طويلاً لنيلها يتصدرها تخويله سلطة إصدار مراسيم لها قوة القانون. الآن يثار الجدل حول إمكانية تمرير هذه التعديلات عبر الاستفتاء الذى سيجرى اليوم وسط رفض واسع داخل الشارع السياسى بما ينذر بتصاعد الاستقطاب بين أحزاب تعارض إصرار أردوغان على هذه التعديلات.

بدا أردوغان مقتنعاً بأن معركة التعديل الدستورى تأخذ مكانة خاصة فى مسيرته السياسية وتطلعاته المستقبلية لا سيما، وهى التى تضمن له البقاء فى الرئاسة حتى نهاية 2029، فالتعديلات المطروحة تمنحه حق الانتماء إلى حزب سياسى وإدارة السياسة الداخلية والخارجية، وأن يكون هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، كما تنص على إلغاء منصب رئيس الوزراء مع تعيين نائبين للرئيس، وتحويل الوزراء إلى سكرتارية. وتمنحه التعديلات أيضاً الحق فى التصديق على قرارات البرلمان واستخدام الفيتو ضدها، وتمنحه حق تعيين قادة الجيش والاستخبارات والهيئات القضائية، ومنها قضاة المحكمة الدستورية ومجلس الدولة ومجلس القضاء الأعلى، وكبار موظفى رجال الدولة وإصدار مراسيم رئاسية استثنائية دون الرجوع إلى البرلمان، مع منحه الحق فى إلغاء القضاء العسكرى وإسناد مهامه إلى مجلس الدولة والمحكمة العليا، وإلغاء وزارة الدفاع. وهى التعديلات التى ستمكنه من أن يحكم قبضته على السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتهدر بذلك مبدأ أصيلاً فى الحكم الرشيد لا سيما وأنها تضعف سلطة البرلمان الرقابية.

ورغم الجدل المثار حول هذه التعديلات ورفض المعارضة لها يظل أردوغان يصر على تمريرها بدعوى أنها ثورة تشريعية لضمان الاستقرار والأمن وتحصين وحدة الدولة. رغم أنها تجسد انحرافاً عن قيم الديمقراطية وتسجل تراجعاً عن مؤشر الحريات، وتضع حزب العدالة والتنمية والتجربة الديمقراطية التركية فى مفترق طرق. حيث إن تركيا بعد التعديلات الدستورية ستكون أمام نظام سياسى قومى متطرف قائم على خطاب معادى للأقليات مثل الكرد. ويخشى الكثيرون فيما إذا تم إقرار هذه التعديلات بأن تصبح تركيا رهينة مسار تتزايد معه وطأة القبضة الأمنية وبناء حكم بوليسى سلطوى ذي واجهة ديمقراطية مدنية لتمتد هذه السياسات إلى علاقات تركيا الخارجية تفشل معها فى الحفاظ على مصالحها الدولية. والنموذج رأيناه فى مغامرات أردوغان والتى ولدت تخبطًا فى السياسة الخارجية التى طالما وظفها فى رسم سياسته الداخلية من أجل كسب أصوات انتخابية. وتجسد النموذج فى ملف الأزمة السورية، حيث اعتبرت سياسة أردوغان نحو سوريا خاطئة، ويكفى دعمه للإرهابيين تمويلاً وتسليحاً وتدريباً وفتح الأراضى التركية لتكون معبراً لهم للانطلاق نحو سوريا بهدف إسقاط نظام الأسد.

وفيما إذا تمت المصادقة على التعديلات الدستورية هذه سيتمكن أردوغان من الانفراد بالقرار الاستراتيجى للدولة فى رسم سياستها الخارجية والداخلية معاً، وسيتمكن حزبه من إحكام قبضته على السلطة بشكل أكبر بما يولد استقطاباً سياسياً حاداً بين المؤسسات فى تركيا، خاصة أن التعديلات الدستورية تتم دون توافق سياسى ودون حوار مجتمعى موسع، وبالتالى فهى لن تجلب الاستقرار السياسى إلى تركيا. إنه أردوغان المهووس بامتلاك السلطة بلا حدود. والأيام وحدها هى الكفيلة بكشف النقاب عما سيؤول إليه مصير هذا المتسلط القابض على أعنة الأمور والذى يتباهى أمام العالم قائلاً: (أنا ديكتاتور وأفتخر).