رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

عقوبة الإعدام بين الإبقاء والإلغاء (35)

وفى أمريكا أبرياء على منصة الشهادة

ليس الاعتراف سيد الأدلة كما رأينا فى عرضنا السابق.. لقد سقط من عرشه وأصبح العبء فى الإثبات «ثقيلاً» على المحققين والقضاء، بشىء من التفصيل نسوق هذه القضية التى أثارت جدلاً صاخباً فى كل الولايات الأمريكية رغم أن أحداثها كانت فى مدينة شيكاغو. «قضية حقيقية - تشبه الأساطير والخيال» وقعت أحداثها 12 يناير عام 1906.

فى هذا اليوم الموعود وجدت فتاة مقتولة وجثتها ملقاة على «كوم سماد» بأحد الأجران بريف مدينة شيكاغو بالولايات المتحدة الأمريكية، وكان يقطن على مقربة من هذا الجرن «فتى اتصف بالسذاجة وحسن الطوية لدرجة تقرب من البله»، وكان يشتغل مع أبيه فى التجارة.

يوم الحادث توجه الفتى المذكور إلى الجرن بحثاً عن حصان أبيه، فقاده سوء الطالع حيث توجد جثة الفتاة، فوجدها ملقاة على وجهها فوق كوم السماد، فعاد أدراجه إلى المنزل وأخبر أباه بما رأى، قام الأب من فوره بإبلاغ الشرطة، حضر رجال الشرطة على الفور للتحقيق، اتضح أن الفتاة قتلت بعد أن سرقت نقودها ومحفظة يدها وقفازها «ووجدوا سلكاً من النحاس ملفوفاً حول عنقها لفاً محكماً» وكان غطاء الرأس ملقى تحت قدميها، ولم يشاهدوا بالجثة آثاراً تدل على الاغتصاب، بينما كان القائمون بأمر التحقيق يفحصون الأماكن المجاورة إذ وقعت أنظارهم على الفتى منزوياً فى ناحية والرعب أخذ منه كل مأخذ، فبدا لهم من شحوب وجهه أنه «مشغول الفكر مضطرب البال وكأنه لم ينم طول ليله»، كان بديهياً أن يشتبهوا فى أمره على الفور، ومن ثم ألقوا القبض عليه احتياطياً على ذمة التحقيق.

أنكر فى البداية وبعد تحقيق متواصل واستخدام العنف معه لحمله على الاعتراف، اعترف فجأة «وكان ذلك تحت تأثير الإكراه» واستمر معترفاً فى جميع مراحل التحقيق.

بل أضاف إلى اعترافه من «خياله» بعض التفاصيل، و«ابتكر» رواية للقتل تتضمن أنه كان قد دعا الفتاة للنزهة معه يوم الحادث عند منتصف الليل السابق مساء، ولما أصبحا فى خلوة حاول اغتصابها فأبت وحاولت الفرار، فلم يمكنها وأمسك بمعصمها ثم «غاب عن رشده ولا يدرى ماذا فعل بها».

تمت إدانة الفتى بناء على اعترافه «والاعتراف سيد الأدلة» وحكم عليه بالإعدام.

تم عرض الأمر على الطبيب النفسانى «كريستيزون» الأخصائى فى الأمراض العقلية، وثارت ضجة فى الصحف بعد قراءة التقرير أن المتهم حال اعترافه كان فى حالة «انفصال عقلى».

وتولى الدفاع عنه العالم منستر برج فى مؤلفه على منصة الشهادة بعد تنفيذ حكم الإعدام فى الفتى المسكين البريء، والذى كانت كل الظروف والاعترافات لا تدع مجالاً للشك فى أنه القاتل، ولكنه قدم دليل براءته ولكن جاء ذلك متأخراً، وأثبت أن القاتل حدث من يد شخص مجهول «وليس فى مكان الحادث» كما زعم الفتى المتهم، ولكن فى مكان بعيد، ثم جُرّت الجثة إلى «كوم السماد» بذلك السلك النحاسى الذى وجد حول العنق، وأن أخلاق الفتى وعاداته حسبما تبين من أقوال الشهود خلال التحقيق وصيغة الاعتراف وما تضمنه من المتناقضات العلمية «والاختلاف بين دليل الاعتراف وماديات الجريمة» كل ذلك لم يكن إلا دلائل ناطقة بأن الاعتراف صدر من الفتى وعقله فى حالة تفكك وانفصال، وأن الاعتراف كان صورة طبق الأصل من تلك الاعترافات الموهومة التى تصدر من الشخص وهو فى «حالة استهواء بتأثير الإيحاء»، فحالة الفتى كانت تعد خير مثال لحالة الانفصال العقلى التى تتحول فيها الخيالات والأوهام إلى حقائق.

وجاء بالتقرير أن واضعه كان يشعر بأنه لابد من أن حادثاً خارجياً حدث فكان سبباً مباشراً لإحداث حالة «الانفصال العقلى» وحمل الفتى حادث فجائى خفى على الأمر كله أحدث بالفتى صدمة عصبية قوية خلال التحقيق فكانت سبباً لذلك الانقلاب النفسى الذى أصابه، فقد حدث أن المتهم قبل تنفيذ حكم الإعلام فيه كتب بخط يده: أكتب لأعلن براءتى من الجريمة، وأقرر أننى لا أدرى أننى اعترفت بالجريمة، وقرر أنه كان حافظاً لمداركه وصوابه حتى أن رأى مسدساً مصوباً نحوه، ثم غاب عن رشده، ولا يذكر ما جرى له بعد ذلك، إننى رأيت أنبوبة المسدس تلمع لمعاناً شديداً فى ضوء الشمس فشعرت بصدمة الأشعة فى عينى، ثم أحسست بوجود شخصين فوق رأسى، وبعد ذلك غبت عن صوابى ولم أستطع أن أميز شخص من كان يحمل المسدس وقتئذ، ولا أذكر أننى اعترفت ولا أذكر من وقائع اعترافى كلمة واحدة.

وبالتحليل النفسى ثبت أن لمعان أنبوبة المسدس كان لها أثر في حالة الفتى، وأن «لمعان أنبوبة المسدس بدا كل شىء بعينى ظلاماً» لم يكن سوى تلك الحلقة المفقودة من سلسلة الأدلة المؤيدة لبراءته، فقد أحدثت غيبوبة فى وعيه فكان اعترافه المزيف.

وبالقياس لهذه الحالة على حالات أخرى ثبت أن هذا اللمعان مثل التنويم المغناطيسى ينقل الفتى إلى عوالم أخرى - غير حقيقية - لحوادث حدثت له فى الماضى.

وكان القضاء بالإعدام على هذا الفتى فيه تعسف من جانب الشرطة، وخطأ فادح من قضاته الذين لم يسمعوا لرأى الدفاع عنه للكشف عن خباياه النفسية لمعرفة لماذا أدلى باعتراف غير حقيقى وليد الوهم والخيال.

الدكتور محمود السقا