رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

علبة باندورا

أصبح الإرهاب ظاهرة عالمية بامتياز، وأضحى التصدى له من أوجب الواجبات المفروضة حتماً على شعوب العالم وحكوماته بأسره، يتكاتف، وينبغى أن يتكاتف، فى التصدى له الجميع وبغير استثناء، فهو يمثل دواعى انهيار المجتمعات الإنسانية أو خلخلة الاستقرار بها على أقل تقدير؛ مَا إن يتسلط على مجتمع بعينه إلا ويكون فى أيدى الإرهابيين مثل علبة باندورا فى الأسطورة اليونانية القديمة. وباندورا هذه هى امرأة كان أرسلها «زيوس» كبير آلهة اليونان عقاباً للجنس البشرى، وذلك بعد سرقة برومثيوس للنار من برق السماء ثم تعليمه البشر كيفية استعمالها وكيفية الإفادة منها. تقول الأسطورة إن زيوس أعطى لباندورا علبة، وبما أنها كانت تجهل ما فيها، فبمجرد أن فتحتها بدافع الفضول حتى انطلقت منها جميع الشرور والآفات والرزايا، فعمت جميع البشر؛ وهكذا يكون الإرهاب الأسود الدموى القاتل هو علبة باندورا المغلقة ما إن يفتح إلا وتصدر عنه كوارث دموية لا تحمل للإنسانية سوى الشرور والكوارث بكل تأكيد.

هنالك دول لا حصر لها عانت منذ سنوات، ولم تزل تعانى من سطوات الإرهاب المسلح، وهنالك دول استعدت للدفاع عن نفسها بالتوسع فى صناعة أسلحة الدمار البيولوجية، وأصبح لديها مخزون استراتيجى منه؛ وفى مقدمتها إسرائيل، فبدلاً من أن تعمل تلك الدول على نشر التسامح ليحل محل الإرهاب، عملت بالعكس على تفاقم الطاقة العنيفة ضد الإنسانية وزيادة الإرهاب بإرهاب أشدّ منه بحجة الدفاع عن نفسها ضد انتشار الشر وشيوع الإرهاب.

كان «يورجين هابرماس» فيلسوفاً ألمانياً ومحققاً ثقافياً ينتمى إلى علم الدراسات الثقافية ومعروف بتياره النقدى الألمانى الجذور، ينتقد التاريخ الفعلى السياسى والاجتماعى للغرب الحداثى، كان يرى: إن مفهوم التسامح هو المفهوم المطلوب لمواجهة الإرهاب، شريطة أن يعود العقل الغربى إلى المعانى التى كانت موجودة قبلاً لدى فكر التنوير الإنسانى الأخلاقى والدينى والقانونى والفلسفى بوجه عام. هذه المعانى، بعد تنقيتها ونقدها، هى التى وضعت بذرة التسامح، تكفل فيما لو طبقت تجفيف المنابع الاجتماعية والفكرية للإرهاب بمعنى اقتلاع كل جذور التعصب والتطرُّف وإحلال المسامحة والعدالة والمساواة.

وفى الحق أن الإرهاب ظاهرة نابعة من باطن النفس وأغوارها الدفينة، لو لم يكن الإرهاب بالدين لكان بأى فكر سواه. إنما الإرهاب قصة نفس ملوثة؛ إذْ الإرهاب إرهاب سواء فى الشرق أو فى الغرب؛ فإذا كان الشرقيون إرهابيين بالدين، فالغربيون إرهابيون بالعلم، لكنما التسامح الخالص فهو قصة نفس سوية.