رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

عقوبة الإعدام بين الإبقاء والإلغاء (33)

رأينا أن يد المشرع قد لطخت بدم الأبرياء، فقط - فى النهاية - نعيد بعض هذه الذكريات. لقد رأينا أن علماء النفس والاجتماع والفلسفة الحرة حاكمت عقوبة الإعدام، هى أولا وأخيرا.. فى نظر علماء النفس، لا تحقق الهدف الأساسى من العقوبة، فقد دلت الأبحاث الحديثة والدقيقة التى أجريت على عدد هائل من المحكوم عليهم، فى جرائم مختلفة أكثرها القتل، أن نسبة كبيرة من هؤلاء القتلة مصابون باضطراب عقلى، مما أدى لارتكابهم الجرائم المنوة عنها، ومن ثم كان العلاج البحث عن عقوبة أخرى بديلة للإعدام لا تنطوى على رغبة المجتمع فى التشفى والانتقام.

والنتيجة الصارمة بل الصادقة أن «الجريمة هى مزيج لعوامل عديدة نفسية واجتماعية واقتصادية ساهم المجتمع بنصيب فى الوصول إليها، فهل يمكن أن نطلب من المجتمع أن يصفح عن جريمته التى سبق أن ارتكبها فى حق الجانى؟». تعالوا نتذكر الصورة السوداء الأليمة لعقوبة الموت فى حق الأبرياء، ويكفى أن يعدم برىء لتلعن عقوبة الإعدام إلى الأبد.

«چون إيفانز» فى عام 1949، توجه إلى مركز الشرطة للإبلاغ بأنه قام بقتل زوجته وألقى بها فى غرفة قرب مسكنه، تحرك رجال الشرطة - إثر الإبلاغ - فعثروا على الجثة «ولكن فى مكان آخر»، وأثناء البحث والتفتيش عثروا على «جثة أخرى» لفتاة مقتولة تبين أنها ابنته، وقائع الحادث تمت فى صيف 1949، بإحدى القرى القريبة من لندن، إذ تم التحقيق مع «إيفانز» تناقضت أقواله بعضها مع البعض الآخر، قال فى واحدة إن جاره «كريستى» التى كان يقيم بالطابق الأرضى فى ذات المسكن هو الذى ارتكب تلك الجريمة البشعة.

قدم «إيفانز» للمحاكمة، وتم استدعاء «كريستى» للاستماع لأقواله كـ«شاهد» وكان ثابتا متمرسا بحكم تكوينه وعمله السابق كـ«شرطى» - كل خيوط الاتهام أحاطت بعنق «إيفانز» وبجلسة 9 مارس 1950 وفى ضوء اعترافه السابق - صدر الحكم بإعدامه. إلا أنه حال تواجده بالسجن أفضى إلى كاهن السجن باعترافاته الحقيقية، أنه سوف يعدم نتيجة لجريمة لم يرتكبها، وبنفس الأقوال وتفصيلاتها أفضى بها إلى مأمور السجن وطبيب السجن.

من محبسه أرسل التماسًا بالتفصيلات وتبرئة نفسه من الاتهام إلى وزير الداخلية ابتغاء إعادة النظر فى أمر قضيته أو على الأقل تخفيف حكم الإعدام، إلا أن طلبه رفض.

فى الزيارة الأخيرة له فى السجن، وفى اليوم السابق لإعدامه - زارته والدته وأخته وسألتاه عما إذا كان قد ارتكب الجرية فقرر لهما - فى حزم مملوء بالدموع - إنه برىء وكرر ما سبق وأن أدلى به فى التحقيقات والمحاكمة أن «كريستى» هو القاتل، مقررًا أنه لن يكسب شيئا - الآن - ولكنه يقول الحقيقة، وهو على شرفة الموت «والموت أقرب إليه من حبل الوريد».. ولكن تم تنفيذ حكم الإعدام فى اليوم التالى. ولكن «القصة الأليمة» لم تنته فى الحياة فصولها.. إذ بعد ثلاث سنوات من تنفيذ حكم الإعدام فى «إيفانز» اكتشف نزيل آخر فى نفس المنزل - منزل الضحايا -جثثا أخرى مختلفة وراء أحد الجدران، وكانت لست نساء، بعضها فى شقة «كريستى»، وعلى الفور تم القبض على« كريستى» ووجه بذلك؛ فاعترف من فوره بارتكابه لتلك الجرائم لأسباب جنسية.

وكانت الطامة الكبرى حينما ووجه بواقعة «إيفانز» اعترف أيضا بقتله لزوجته وابنته لذات السبب.

قدم للمحاكمة وبتاريخ 25 يونية 1953 تم إعدامه، ونواصل فى اللقاء القادم عقوبة الإعدام بين الإبقاء والإلغاء.