رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أخلاق الدولة وأخلاق الشعب ..

 

في المجتمعات البسيطة قبل قرن من الان علي الاقل لم تكن هناك علاقة مباشرة أو عضوية بين الفقر وانهيار القيم والأخلاق .. بتأثير الدين أو التدين الوهمي  كان السائد بين كثير من الفقراء ثقافة الرضا والحمد ويابخت من بات مغلوب والكفن ملوش جيوب .. هذه الثقافة  ارست قواعد للأخلاق ظاهرها الرضا وباطنها العذاب لأنها كانت مدفوعه أو موجوده تحت ضغط واقع " ما باليد حيله " وليس في الامكان أبدع مما كان .. في أزمنة خلت لم تكن هناك ثورة طموحات بين الناس لأن الترف بمعني الاستهلاك المتوحش لمنتجات العصر لم يكن موجودا بالأساس .. فقراء اليوم غير فقراء الأمس والفارق أن منظومة القيم قد تغيرت بتغير الزمن والطموح  ووسائل المعرفه .. ادراك الفقير لحقيقة فقرة اليوم أصبح قويا وكبيرا بنفس قدر الفارق الهائل بين الثراء والفقر وبحجم شعوره بالحرمان مما يتمتع به الآخرون .. المجتمع كله يتفرج علي بعضه البعض في الشوارع نهارا وعلي شاشات التلفزيون ليلا  - الكل يعرف الكل - ماذا يلبس وياكل وأين يسكن ويتعلم ويسافر  وماذا يركب  ويقتني .. ثورة التطلعات بدلت منظومة القيم والأخلاق ولم يعد الفقير قادرا علي تحمل فكرة أن القناعة كنز لايفني  خاصة اذا كان المقصود بها حد الكفاف  .. وأمام هذه التصورات هل المجتمع في طريقه ان يتحول الي غابة  البقاء فيها للأقوى ؟ الحقيقه أن الأمل في أن تظل القيم النبيله حافظة لحياتنا ووجودنا لايزال قائما وموجودا ولكن بشروط وقواعد .. مبادرات نشر الأخلاق التي يتبناها شيخ الازهر وبابا الكنيسه  - مع كل الاحترام لشخصهما الكريمين - لن تثمر وستتبخر كسابقاتها من المبادرات  لأن الأخلاق لايقيمها بلاغة الوعظ وانما عدالة الفعل.. الأخلاق في زماننا يمكن صناعتها .. أول شروط هذه الصناعة أن يكون هناك قانون يحترمه واضعوه ليكونوا قدوة لمن يطبق عليهم .. يأس الكثير من المصريين من جدوي الالتزام  الخلقي يرجع لعدم  احترام مؤسسات الدولة ورموزها للقانون نصا وروحا .. أي نظام ينتظر من شعبه الالتزام والايجابية عليه أن يتصرف  هو أولا بكل التزام وايجابية .. ثاني شروط تأسيس صناعة الأخلاق هو التعليم الذي يرتقي بالعقل والشعور وليس التعليم الذي يشل  العقل ويطفئ منابع النور والإلهام بداخله .. ثالث شروط تأسيس صناعة وطنية للأخلاق ارساء قواعد العدالة والعدل بين الناس .. تنصلح اخلاق الناس وتسمو حين ترقي العدالة الي مستوى المساواة بين الجميع علي أساس المواطنة لا الدين أو العرق أو اللون أو الطبقه أو النوع .. رابع شروط صناعة الأخلاق والقيم  حق المعرفة للجميع .. حين تتاح المعرفة لكل الناس دون حجب أو انقاص سيتحرك المجتمع حركة واعية تجاه مستقبله وستكون اختياراته في المجمل صائبة وقدرته علي المحاسبة واعية  .. الحالة التي عليها أخلاقيات المصريين اليوم ليست علي مايرام  والخلل ليس وراثيا ولاهو انحرافا متعمدا ولكن الخلل الأكبر والمباشر يكمن في انعدام الثقة بالمستقبل لما عليه الحاضر من هوان .. المماليك والعثمانيون والفرنسيون والانجليز كلهم اتفقوا علي ان المصري يلتف حول المظالم التي تقع عليه بخداع الظالم بالرضا عنه ثم الثورة عليه .. الآن حيث لامماليك ولافرنجه نحن بحاجة ليس لتجديد الخطاب الديني ولكن لتجديد العقد الاجتماعي بين السلطة والناس .. هذا العقد بحاجة لمضادات حيوية لتقوية مناعته ضد الضعف والانهيار .. السلطة بحاجة لنقد نفسها ذاتيا وبتعظيم احترامها للقانون وبإعلاء شأن العدل والعدالة .. السلطة بحاجة لأن يكون لها رجالها الأكفاء المخلصون للعمل العام لا للمصالح الخاصة  .. السلطة بحاجة لأن تتحدث لغة الناس وآمالهم وأوجاعهم .. نريد أن نشعر بمصريتنا الحقيقة لكي نخلص  لوجودنا ونتزين لرسالتنا بالأخلاق والعمل .. السلطة بحاجة لأن تشاور الناس فيما يخص مستقبلهم لأن عصر الحكم الأبوى قد ولي ومن المستحيل ادارة حياة مائة مليون مصري بسياسات أبوية  لأن الأب لايفرق بين ابنائه ويترك أكثريتهم يعيشون كالأموات واقليتهم يحيون كالملوك ..  لو وعت السلطة - أي سلطة - لشروط صناعة الأخلاق لتبدلت أحوال الأمم وارتقت الي عليين .. وختاما ومن احكم وابدع آيات القرآن الكريم " إنا عرضنا الأمانه علي السماوات والارض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا " والأمانه كما عرفها استاذنا الدكتور زكي نجيب محمود في مؤلفه " قيم من التراث " هي الإراده الحره التي حملها الانسان ظالما لنفسه جاهلا بفداحة العبء - اين نحن من أمامنة الإرادة الحرة وكيف هانت علينا ..

[email protected]