رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

وعى الحكيم.. ومقامه!

على بساطته اللغوية وصغر حجمه، سيبقى كتاب «عودة الوعى» الذى خطه عملاق الأدب العربى توفيق الحكيم، فى صيف عام 1972، علامة بارزة فى تاريخ السياسة المصرية، ليس لمضامينه المثيرة التى شكلت أول حجر ثقيل، يُلقى فى وجه ثورة يوليو، وإنما لما أثاره من سجال فكرى راق وأنيق، ما زالت أصداؤه تتردد، نموذجاً على كيفية إدارة الخلاف بين قامات الفكر والأدب فى مصر.

كان الحكيم، كما هو معروف، مبُشراً ومؤيداً ومروجاً لكل سياسات يوليو، بدءاً من الإصلاح الزراعى (سبتمبر 1952) ، حتى التحول الاشتراكى (1962) ، مروراً بتطهير الأحزاب والتمصير والتأميم ومعارك الاستقلال وعدم الانحياز والوحدة العربية، غير أنه وجد نفسه - بعد عامين تقريباً من رحيل الرئيس جمال عبدالناصر- فى مواجهة مجموعة من التساؤلات الملحة، التى تعجب هو نفسه، من غيابها عنه طوال عشرين عاماً، على الرغم من نزوعه الفطرى للتفكير العقلانى، وإيمانه المبكر بأن تعدد الآراء والأفكار والقوى هو طريق السياسة الناجحة، لا الرهان على شخص، مهما كان إخلاصه وتفانيه.

بطريقة ما، حاول الحكيم أن يلقى بأثقال دهشته على كل الأطراف: الإعلام، التنظيم السياسى الواحد، القبضة الأمنية، الحماس الشعبى الجارف، كاريزما عبدالناصر، لكنه – مع ذلك كله - لم يتهرب من الاعتراف بمسئوليته الشخصية عما سماه «فقدان الوعى»، بل أقر، بأنه كان شريكاً - ولو بالصمت – فيما اعتبره «كارثة» حلت بالمجتمع كله فى هذه المرحلة، ثم زاد على ذلك، فوجه لنفسه نقداً حاداً لاذعاً، وصل حد السخرية الجارحة من مواقفه وكتاباته، بما فى ذلك رسائل خطها بقلمه المبدع إلى عبدالناصر فى مناسبات عدة.

قال الحكيم، مثلاً: «كيف استطاع شخص مثلى أن يرى ذلك ويسمعه (قاصداً سياسة الحشد والتوجيه) ، ولا يتأثر ويظل على شعوره الطيب نحو عبدالناصر، أهو فقدان للوعى أم حالة غريبة من التخدير؟.. كما قال أيضاً: «نحن كهول الثورة ما عذرنا؟.. ما الذى خدر عقولنا؟ (...) لقد سحرونا ببريق آمال كنا نتطلع إليها من زمن بعيد، وأسكرونا بخمرة مكاسب وأمجاد، فسكرنا حتى غاب عنا الوعى».

أقسى من ذلك، سجله الحكيم، وهو فى الخامسة والسبعين من عمره، على نفسه، وكذلك على أصحاب الفكر من معاصريه، الذين تباروا لاحقاً، إما للرد عليه أو للدفاع عنه، دون أن يخرج أحدهم عن سياق الحوار، أو يحاول التقليل من شأن المشاركين فيه، بل إن الصحفى الكبير محمد حسنين هيكل، لم يجد، وهو يدافع عن تجربة عبدالناصر، غير مزايا الحكيم نفسه، لتكون مدخله للاشتباك مع «عودة الوعى»، بكل ما فيه من نقد وهجاء، أصيب هو شخصياً ببعض رذاذه.

رغم هذا الخلاف، لم يتراجع هيكل عن تقديره القديم لصديقه الكبير، فوصفه – فى رسالة فخيمة - بأنه «الأديب الباحث عن الحقيقة بإلهام الفن»، وبأنه يملك «بخيال فنان ملهم ومبدع» أن يضع نفسه على «أجنحة النسور ويحلق فى السماوات العلى». أما الود الممتد بينهما، فلخصه هيكل بكلمات موجزة، لكنها عميقة وموحية، منها قوله للحكيم: «تعلم كم أنت عزيز على وغال، وتعلم كم كانت رفقة العمر بيننا، سنوات ممتدة، تجربة ممتعة بالنسبة لى، وكانت خصبة خضراء (...) سلمت لى ولكل الذين يعرفون حقك وفضلك على فكر هذه الأمة وثقافتها».

هكذا كان الحوار عميقاً، ودوداً، دافئاً ساعة الاختلاف، فما بالنا به وبفوائده، وقت التوافق!