رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الفتنة الإعلامية

إذا كانت الحرب خُدعة، فاللغة عين الخُدعة، وللإعلام خطورة بالغة فى صناعة الوعى والتأثير على المشاهدين بدرجة تفوق خطورة الأسلحة المدمرة وإنها تلعب بجدارة دور «الحاوى السياسى» الذى يعلم كيف يتلاعب بالألفاظ بهدف خدمة مصلحة محددة أو تحقيق هدف مقصود، ولهذا الأمر أمثلة عديدة، فلم يخطئ الإعلام الإسرائيلى أبدًا فى التعبير عن عدوان الجيش الإسرائيلى على الفلسطينيين الذين لا يملكون القدرة على الحرب، بل غاية قدرتهم المقاومة، لن أنظر إلى صياغة الإعلام الإسرائيلى للحدث، تقول إحدى الصحف الإسرائيلية «الجيش الإسرائيلى يطلق النار ردًا على اعتداءات الفلسطينيين»، وهكذا تتحول الحقيقة إلى كذبة، ويتحول الضحية إلى إرهابى، والمحتل المعتدى المستعمر إلى ضحية بريئة مغلوبة على أمرها!! وفى السياق نفسه نجد تبرير أمريكا لحربها ضد العراق بأنها من أجل حرية العراق والقضاء على ديكتاتورية صدام حسين ونشر الديمقراطية، والحق الواضح هو تدمير العراق والاستيلاء على ثرواته وتقسيم العراق إلى أقسام عرقية ومذهبية وطائفية، ليكون خطوة فى تحقيق مشروع الشرق الأوسط الجديد الذى تكون فيه إسرائيل هى الدولة الأكبر والأقوى والمسيطرة على المنطقة. ويمتد بنا التأمل لنصل إلى ما يطلق عليه الغرب «الربيع العربى» وما هو فى واقع الحال إلا الخراب العربى الذى يبدو واضحًا فى سوريا وليبيا واليمن، بحسب ما آلت إليه الأمور بالفعل على أرض الواقع فى هذه البلاد.

فإذا نظرنا فى تاريخ صناعة الحروب، نجدها تنقسم إلى أربعة أجيال تبدأ بحروب الجيل الأول حيث كانت الحرب بالسيف والحصان، ثم تطورت إلى حروب الجيل الثانى وهى الحرب باستخدام المسدسات والمدافع والدبابات ثم تطورت الحروب حتى كدنا نتخيل أنها وصلت إلى أوج قوتها وطغيانها، وهى الحرب النووية واستخدام أسلحة الدمار الشامل كما شهد على ذلك هزيمة اليابان فى الحرب العالمية الثانية حتى أنها ولا تزال تعانى من أثر هذه الحرب إلى يومنا هذا، ولكن يفاجئنا تطور الانسان الحديث وخصوصًا فى مجال السياسة والكتابة والفصاحة اللغوية والاعلام لنصل إلى أشرس الحروب التى شهدتها البشرية، ألا وهى حروب الجيل الرابع حيث يجلس الطرف الأقوى فى بلدة مستكينًا ساعيًا وراء تقدمه العلمى والحضارى، محافظًا على سلامة كل جندى وكل مواطن من بلده تاركًا أعداءه يتخبطون ويتقاتلون بعد أن جعل منهم أعداء بفضل السياسة واللغة والمكائد الإعلامية، لقد أصبح الإعلام أخطر من السلاح فى يد المقاتل، فإنها العصا السحرية التى من خلالها تفرض السياسة سلطتها، فهى أداء التضليل وصناعة الزيف، إنها السلاح الفتاك فى الحروب الإعلامية، وإذا كانت الحرب خدعة فاللغة عين الخدمة، إنها محور ارتكاز القوة الناعمة فى العمل الفنى، إعمالاً بمبدأ أن الكلمة أصبحت أقوى من الصاروخ والدبابة تحسم مواقف ومعارك ولتحقيق المصالح الشخصية التى تتنوع من حروب دولية قد تستمر لسنوات، ويسقط ضحيتها أجيال أو إلى سبق صحفى لإعلامي فى مقتبل حياته يريد الشهرة على حساب أى ضرر قد يلحق بهذا السبق. عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قد رأى أشخاصا يوقدون نارًا فنادى عليهم قائلاً: «يا أهل الضوء» ولم يقل يا أهل النار مخافة أن يجرح شعورهم. فى هذا المثال حكمة من أسلافنا العظماء على قوة وأثر اللغة وانتقاء الألفاظ لما قد يترتب عنها من جرح لشعور شخص بحد أدنى وصولاً بحرب شرسة يذهب ضحيتها أجيال لا ذنب لهم.