رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الفكر «الأعمى» وأيامه السوداء

كطائر البوم، الذى تقول أساطير الأولين إنه يتنقل بين الخرائب، باحثاً عن ضحايا يُرضى بدمائهم أرواحاً شريرة تُحركه، عاد ما يُعرف بالفكر «الأعمى» ليحلق فى سماء البشر، منذراً بزمن عصيب، لا مكان فيه لصوت العقل ولا الحق ولا إرادة الشعوب.

يضرب هذا الفكر بأجنحته النارية فى كل اتجاه، تارة باسم الدين، وأخرى بدافع الخوف، ساحقاً بذلك بذور تعايش عالمى، لطالما راهن عليها المتفائلون كى يكون أساساً لبناء إنسانى جديد، أقل قتامة، وأكثر قدرة على تجاوز دوامات الصراع المتجددة منذ عرف الناس ظاهرة السلطة، ومعها النزوع للتسلط.

ويزيد من فداحة هذه العودة أن أبطالها، الذين صرحوا بنواياهم المخيفة، وتفاخرون علناً بخططهم الإقصائية الدموية، يجدون تأييداً شعبياً، حتى بين قوى ورموز يفترض أنها تقف – بحكم المصالح فى أقل تقدير- فى الصف المضاد، والمثال الأوضح على ذلك هو إقدام عدد من نجوم الرياضة والفن الأمريكيين، وفى مقدمتهم الملاكم الشهير مايك تايسون (المسلم الأسود)، على تأييد دونالد ترامب فى الانتخابات الرئاسية الأخيرة، على الرغم من تصريحات الأخير المدوية ضد المسلمين، وغيرهم من الأقليات المحلية.

لدى المحللين، يبدو هذا التأييد سلوكاً استثنائياً مصدره الرغبة الدفينة لدى بعض أبناء الفئات المهمشة فى القصاص من النخب التقليدية، لكنه يشكل - بالنسبة لأشباه ترامب حول العالم - مؤشراً على أن «الشعبوية الجديدة» قد وجدت لها موطئ قدم فى معاقل نفوذ القوى والحركات المعادية بمختلف مسمياتها، حتى إن زعيمة اليمين الفرنسى المتطرف مارين لوبان وجدت فى ذلك التأييد سنداً للجزم بأن «ما كان يُنظر إليه فى السابق كمستحيل، بات اليوم ممكناً وقريباً».

والحق أن «لوبان» لم تبتعد كثيراً عن الواقع، فهناك شواهد ومقدمات تنبئ بأن العالم مقبل على حقبة شعبوية مثيرة، ستبدأ عملياً فى العشرين من الشهر الجارى عندما يتسلم «ترامب»، القادم من عالم المال، الرئاسة الأمريكية، وقد تمتد - وفق استطلاعات رأى متكررة - إلى بلدان أخرى ذات تجارب عريقة، كفرنسا، صاحبة أول ثورة حديثة من أجل الحرية والإخاء والمساواة، وألمانيا، أكثر من اكتوى بنار العنصرية فى التاريخ المعاصر.

وفضلاً عن آثاره المؤكدة على السياسة الدولية، يشكل المد الشعبوى، اختباراً وجودياً للديمقراطية الليبرالية، فهى إن استعانت بـ«قاعدة الضرورة» وفرضت على هذه الظاهرة قيوداً تكبح جموحها، تحولت هى نفسها إلى وصاية ناعمة على اختيارات المجتمع، أما إن تمسكت بمبادئها الأولى، وتركت المسألة للإرادة الشعبية، تحولت -للمرة الثانية فى أقل من 100 عام– إلى مجرد أداة فى خدمة مغامرات سياسية وعسكرية، كتلك التى جرت العالم، فى ثلاثينات القرن الماضى إلى حافة الهلاك.

وحسب قول ولى عهد بريطانيا الأمير تشارلز، فإن «صعود الشعبويين يحمل أصداء مقلقة للغاية لتلك الأيام السوداء»، قاصداً بذلك فترة صعود النازية والفاشية فى كل من ألمانيا وإيطاليا على التوالى، وهو بذلك يتفق مع ما ذهبت إليه دراسات استشرافية توقعت أن يستعين اليمين الجديد بالتراثيين الدينى والقومى لتعزيز شعبيته داخلياً، ومن ثم عقد تحالفات مع قوى مشابهة فى دول أخرى، تمهيدًا لخطوات خارجية تحقق «أفكارهم المقدسة»، ومن بينها الاعتقاد بوجوب تقديم الدعم المطلق لإسرائيل، تأهباً لما يُعرف بـ«حرب نهاية الكون».

بالمثل، يضع تغلغل «الشعبوية الجديدة» مجتمعات الصدارة العالمية، فى مفترق طرق، بعدما اتضح أن ما أنجزته على صعيد العلم والمعرفة، ثم فى فضاءات الفكر والأدب والسياسة، لم يؤثر جدياً لا فى العقول، ولا حتى فى ذاكرة قطاعات شعبية واسعة، تندفع اليوم –بخليط من الهوس والخوف– لتبنى النسخة المُحدثة، من آخر أشكال الغطرسة الحضارية القديمة.