رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

المصريون.. عبقرية «النصر عند الحواف»

يشفع لمصر دائماً وهى تواجه أوقاتها الصعبة أن شعبها قد جمع – بحكم التكوين والمواريث – بين شيمتى الصبر والذكاء، فبالصبر تجاوز هذا البلد كوارث ومجاعات أرهقته عبر الزمن، وبالذكاء تفادى السقوط فى دوامات الصراع السياسى والاجتماعى والطائفى التى هددته فى غير مرة، لعل آخرها ما لاح بعد ثورة 30 يونية 2013.

صحيح أن دراسات سياسية عديدة تصف شعبنا بـ«السلبية»، وتجزم بأنه يفضل الابتعاد عن السلطة سواء لارتياب فيها أو لقمع يميزها، إلا أن ذاكرة التاريخ تحفل بشواهد باهية على أن المصريين يسارعون – خاصة وقت الشدة - للتوحد مع ذات السلطة إذا ما واجهت تحديات مصيرية، تمس كبرياءهم الوطنى، المتمثل فى ثلاثية: الكرامة، الاستقلال، الوحدة الوطنية (الاجتماعية والجغرافية).

لكن الشعب المصرى لا يظهر مكامن قوته، على ما لاحظ كثير من دارسيه ومنهم على سبيل المثال المستشرق البريطانى الشهير إدوارد لين، إلا إذا كان شريكاً فى التحدى، مستفيداً من عوائده، وذلك على نحو ما حدث يوم فرض علماء الأزهر على السلطان العثمانى، إرادتهم بتعيين محمد على والياً على مصر (1805) ، وكذلك يوم وقف أحمد عرابى فى وجه الخديو توفيق (1881) ، ليجبره على منح أبناء وطنه ما يستحقون من مكانة داخل مؤسسات الدولة، وفى مقدمتها الجيش والحكومة.

وبرأى لين، الذى أقام فى القاهرة فترة سمحت له بالتعرف على طبائع أهلها، يتصف المصريون بأنهم «أمناء فى الوفاء بديونهم»، «صبورون بشكل مثالى فى مواجهة الحوادث المفجعة»، «معروفون بصلابة الرأى» و«التسامح» و«الإحسان»، إلا أنهم يميلون إذا ما شعروا بالظلم أو الخديعة إلى «هجاء حكامهم مستخدمين ما توفره لهم اللغة العربية من مرادفات وتوريات وتعابير مجازية»، وهو يستشهد على ذلك بأغان شاعت فى تلك المرحلة تنتقد الحكومة، وتسخر من جرأتها على فرض الضرائب، على الرغم من البؤس المسيطر على غالبية المجتمع.

ويبرع المصريون كذلك، فيما يسمى بـ «التحدى الصامت»، الذى يأخذ أشكالاً متنوعة، منها تفاخرهم، خلال فترة الحكم العثمانى، بعدد الجلدات التى كان الكرباج يتركها على أجسادهم لرفضهم دفع الضرائب، ومنها أيضاً معاندتهم الذكية لأوامر السلطة «إذا تعسفت»، وذلك على غرار ما فعلوا مع ثالث خلفاء الدولة الفاطمية الحاكم بأمر الله، الذى منع العمل فى ساعات النهار وحرم بعض المأكولات والألعاب، فضلاً عن صبه عسل البلاد كله فى مجرى النيل، وتجريمه خروج النساء من منازلهن، ذلك أنهم تجاوبوا معه ظاهرياً، ثم صبروا عليه طويلاً، إلى أن فاض بهم الكيل فخرجوا ضده فى ثورات متتالية، لم يوقفها إلا نبأ مقتله المفاجئ فى عام 411 هـ.

ويحوز المصريون، فضلاً عن ذلك كله، قدرة خاصة على استشعار المخاطر مع جرأة نادرة فى التصدى لها، حتى وهم فى أضعف حالاتهم السياسية والعسكرية، وليس أدل على ذلك من حقيقتين، أولاهما: انتصاراتهم التاريخية المهيبة على أعتى القوى التى حاولت غزو الشرق، بدءاً من الصليبيين (1189) مروراً بالتتار (1260م) ، وانتهاء بالمواجهة الممتدة منذ قرابة قرن مع قوى الاستعمار القديم، ثم الجديد.. وثانيهما: نجاحهم المتكرر فى «اختبار الوحدة الوطنية» الذى فُرض عليهم بأشكال متعددة، لكنهم كانوا دائماً أذكى من كارهيهم، إذ أثبتوا فى كل مرة أن «مصر التى لم تنقسم قط»، ستبقى وفق يقين مفكرنا الراحل جمال حمدان «غير قابلة للقسمة تحت أي ظروف أو ضغوط».