رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

بريق الأمل

دراسات المستقبل.. وصناعة الأمم

إن تاريخ الحضارات الإنسانية وتطور المجتمعات البشرية عبارة عن بوتقة تنصهر وتتفاعل داخلها الأحداث والمتغيرات عبر علاقة تربطها بالزمن ومخاوف المستقبل، وهنا برزت قدرة الشعوب على تقليص عامل الزمن والتأثير عليه والتحكم فى مساراته وتحويلها بما يتواءم مع طموحات هذه الشعوب وتطلعاتها المستقبلية، وذلك فى لحظات الإبداع الكبرى وطفرات الفكر القومى الخلاق، التى تكون اللحظة فيها مساوية لدهر من الزمان.

والواقع أن المستقبل يعتبر هو الحصيلة التراكمية للأحداث والمتغيرات النابعة من المجتمع أو المؤثرة فيه فى نطاقه الإقليمى أو الدولى، ولعل هذا كان سببًا فى ظهور قراءة أو استشراف المستقبل بطريقة علمية، وذلك عن طريق دراسة وتحليل الحقائق والمتغيرات الراهنة والماضية، وهو ما يسمى حالياً بعلم «دراسات المستقبل» الذى تعمل به معظم بلدان العالم المتحضر.

وقد آن الأوان أن تطبق أمتنا العربية أسس ومبادئ ومناهج هذا العلم باعتباره أهم العلوم الحديثة المؤثرة فى التخطيط الاستراتيجى القومى، الذى يؤمّن لها مستقبلاً مشرقاً وزاهراً قادراً على مواجهة أخطار وتحديات المستقبل، حيث يُنتظر أن تشهد الفترة القادمة حتى نهاية الربع الأول من القرن الحادى والعشرين تطورات مهمة وحادة فى طبيعة النظام العالمى، تطورات تحقق خلالها بعض دول العالم تقدماً ملحوظاً فى جميع مناحى الحياة، بينما يتخلف البعض الآخر عن مسيرة التقدم، فيصبح متراجعاً عاجزاً عن مواكبة معطيات المجتمع الدولى وما يصاحبها من مظاهر نهضوية وتنموية.

وستواجه معظم الدول النامية، ومنها الأقطار العربية هذا المصير المحتوم، ما لم تأخذ بمقومات الرقى والتقدم وأساليب الاعتماد على الذات، والذى لن يأتى إلا بالتخطيط الدقيق للمستقبل من خلال أسس علمية تستند إلى علوم المستقبل.

كما تؤكد الأحداث المفاجئة والتطورات المتلاحقة التى شهدتها الساحتان الإقليمية والدولية منذ مطلع هذا القرن، أن الأمم التى لا تمتلك رؤية واضحة ودقيقة لطبيعة هذا العالم المتقلب، التى لم تبلور خططاً مستقبلية لتحديد مسارها الصحيح فى هذا الخضم من التفاعلات، هى أمم تعرض مستقبلها الوطنى إلى العديد من الأخطار المحدقة.

ومن هذا المنطلق، فإنه إذا كانت لنا الرغبة فى أن نصنع مستقبلنا وفقاً لثوابتنا وانطلاقاً من إرادتنا الوطنية، دون أن تعبث بمقدراتنا أى مؤثرات أو عوامل خارجية، فإنه علينا أن نمتلك الأدوات والأساليب العلمية الحديثة التى ترشدنا إلى الطريق الصحيح للمستقبل وتدعم جهودنا لتحقيق أهدافنا.

وعلم دراسات المستقبل قد أصبح من أهم ميادين المعرفة، وأكثرها تأثيراً فى صياغة مستقبل الأمم، وهو ليس بدعة ابتدعتها دول العالم المتقدم ونحاول مجرد السير فى دروبها، إنما هى ضرورة حتمية حتمية جاءت لتلبية حاجات موضوعية وعلمية ولتحقيق أهداف استراتيجية (بعيدة المدى) سبق التخطيط لها، كما يمكن القول إن احتياج الأمة العربية لمثل هذه العلوم الحديثة لا يقل عن احتياجات الدول المتقدمة لها، إن لم يكن يزيد عنها.

ويرجع أهمية احتياج الأمة العربية لمثل هذه العلوم الحديثة إلى أن عملية التنمية الشاملة التى نصبو إليها لا تأتى فى غفلة من الزمان، بل إنها عملية مُعقدة تتطلب إجراءات متشابكة وجهود حثيثة تستغرق آماداً طويلة من الزمن، ويستوجب التخطيط المسبق لها، وإلى أهمية تقليص الفجوة الناجمة عن عدم التكافؤ مع دول العالم المتقدم فى المجالات المختلفة، خاصة فى ظل ظروف تداعيات العولمة الحديثة وللتحديات الاقتصادية الكبرى، وضرورة العمل على تحقيق نوع من التوازن إقليمياً بما يحقق الأمن والاستقرار بالمنطقة، وذلك انطلاقاً من الدروس المستفادة من التطورات المتلاحقة التى طرأت مؤخراً بمنطقة الشرق الأوسط، وإيماناً من أن (دراسات المستقبل) هى الملاذ لتلبية الاحتياجات الاستراتيجية التى يتطلع إليها العرب، وهى الوسيلة لتعبئة طاقات الأمة وتعظيم قدراتها وزرع الأمل نحو إمكانية تحقيق الأهداف المنشودة، وإيماناً منا بمدى حاجة الأمة العربية لاستشراف مستقبلها وجب الاستفادة من علوم دراسات المستقبل لترسيم مستقبل عربى أعظم قوة وأكثر إشراقاً وازدهاراً.