رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

صورة الرئيس

تمنيت وما زلت أن يهتم الرئيس عبدالفتاح السيسي بتعليقات الكثير من المصريين على الهيئة التي يظهر بها الرئيس في حديثه التليفزيوني لهم والذي تكرر مرتين حتى الآن.. هيئة أو صورة الرئيس مسألة مهمة للغاية لأن شخص الرئيس في علم تسويق القيادة أو الزعامة ليس كأي شخص وإنما هو ملهم لشعبه - أو يجب أن يكون هكذا – ولذلك فمن التبسيط المخل للأمور أن تترك الصورة التي يخرج الرئيس بها على الناس لهواة غير متخصصين سواء داخل مؤسسة الرئاسة أو خارجها.

الرئيس الأمريكي روزفلت هو أول من استخدم بعد الحرب العالمية الثانية أثير الإذاعة، فيما عُرف بـFireSide Chats، أو«دردشات بجوار المدفأة»، التي تُبث عبر الراديو، وقد استفاد روزفلت من طبقة صوته الرقيقة والودودة في تقريب الأمريكيين منه، وكان يتحدث كل مرة في موضوع ليس بالضرورة سياسياً وقد تناول في كلمته للأمريكيين مرة من المرات فيلماً سينمائياً وكأن الرجل يجلس مع اصدقاء لعائلته.

وعلى طريق روزفلت مشي رونالد ريجان وجورج دبليو بوش، وباراك أوباما، وقد أضاف بوش إلى جانب الراديو كوسيلة تسجيل كلمته على الإنترنت، أما أوباما فقد وفر للأمريكيين نسخة مصورة لحديثه على اليوتيوب، ومن الطريف أن زوجة أوباما السيدة ميشيل قد تحدثت نيابة عن زوجها الرئيس في مرة من المرات ودعت خلال كلمتها العالم للتكاتُف لاستعادة الفتيات النيجيريات المختطفات بواسطة عصابة بوكو حرام.. الرئيس عبدالفتاح السيسي أطل على المصريين مرتين من خلال التليفزيون في حديث قيل إنه سيكون شهرياً.. وأتصور أن مؤسسة الرئاسة بحاجة لإعادة النظر في الأمر، فليس المهم متى وكم مرة سيطل الرئيس على المصريين الأهم ماذا سيقول وكيف؟

الرئيس السيسي توفرت له فرصة تاريخية من قبل أن يحكم بعام وأكثر.. أحبه المصريون وانتظروا منه دوراً يلعبه وفعل وطلب منهم تفويضاً ومنحوه وتقدم باتجاه منصب الرئيس بما يشبه الإجماع من الناخبين.. حتى هذه اللحظة كان الجنرال عبدالفتاح السيسي هو والناس على خط واحد يتحركون معاً في اتجاه واحد، ولكن الآن الجنرال أصبح رئيساً وانتقل إلى قصر الحكم وكل حاكم من اللحظة الأولي لتوليه السلطة يجد نفسه باستمرار أمام شعبه وعليه أن يحسن الحركة والتصرف والظهور بهيئة يتصور أنها ستكون محل رضا الناس وترحيبهم.

المصريون قد يتألمون لأمور كثيرة وقد تشتد عليهم الأزمات، إلا أنهم تاريخياً يلتفون حول الحاكم الذي يثقون به ويصدقونه وهذا الشعور لا يكفي أبداً لكي ينتقل للناس أن يكون محمولاً على هودج سياسي مكتظ بالأرقام والإحصائيات والإنجازات التي يحكيها الحاكم لشعبه لأن الناس تعيش الواقع وبإمكانها أن تفرز كل كلمة وكل رقم.. وأتصور أن ما يغيب عن مؤسسة الرئاسة حتى الآن هو عدم إدراك البعض لأهمية أنه لا يكفي الرئيس أن يكون صادقاً فيما يقول.. المهم كيف يبدو صادقاً وداخل أي «برواز سياسي وإنساني ونفسي» سيراه الناس.. ليس مطلوباً أن يتحدث الرئيس ساعة أو 45 دقيقة كل شهر - يكفي عشرون دقيقة - ولا مطلوباً أن يستعرض الرئيس عشرة موضوعات في حديثه.

الأوقع أن يخرج الرئيس على الناس متحدثاً من داخل حجرة مكتبه الخاص.. مكتب به أوراق وملفات وصحف ولوحات تاريخية ذات قيمة.. مكان ليس كبيراً بالمرة مما لا يجعل هناك حاجة لخمس أو ست كاميرات.. على الرئيس أن يختار موضوعاً واحداً وكأنه بالبلدي «يدردش» مع بعض من أصدقائه وأقاربه.. من الممكن أن يكون الموضوع سياسياً أو اقتصادياً ومن الممكن أن يكون ثقافياً – وليس غريباً أن تكون كلمة الرئيس في مرة من المرات تعليقاً على كتاب أعجبه أو مقال صحفي استوقفه.. نحن بحاجة أن نرى أمامنا المواطن الأول في مصر وأن يرى كل مواطن في الرئيس ما يشبهه هو شخصياً.. نراه يقرأ لنا مقطعاً من جريدة أو عبارة من كتاب.. لقد ولى زمن الحاكم الإله، وعلى المسئولين عن تسويق شخصية وهيئة الرئيس أن يدركوا أننا نعيش في عصر «شركة الأرض» حسب تعبير ألبرت آل جور، نائب الرئيس الأمريكي الأسبق في كتابه «المستقبل» والرجل قصد أننا منذ بداية القرن الحالي تحديداً تعيش البشرية حالة من حالات العولمة الثقافية التي تحملها شبكة الإنترنت وشاشات التليفزيون مما يجعلنا جزءاً من مكون عالمي ولسنا كوكباً يسبح خارج مدارات الزمن.

المصريون بحاجة إلى «ونيس سياسي» رجل يأنسه شعبه ويستأنسون به صفات كثيرة يحبونها - وهذا لا يتأتي بالهيئة التي يظهر بها الرئيس على الناس في المرتين السابقتين – والمشكلة ليست في الرئيس ولكن في الصنعة المتكلفة في إخراج هذين الحديثين والتي جاءت على حساب تلقائية وعفوية اللحظة والشخص والخطاب.. سيدي الرئيس.. لسيدنا على ابن أبي طالب حكمة جميلة وعميقة المعني حين قال: «ثلث الحكمة فطنة وثلثاها تغافل».. وأعتقد الخمس كلمات هذه لو حولناها إلى رؤية فنية لكيف يظهر الرئيس على الناس وفي ماذا يتحدث وكم من الوقت القليل يجب أن يأخذ حديثه لانتظر الكثيرون بشوق وطني وإنساني لحظة أن يطل عليهم الرجل الأول في مصر.

 

 

[email protected]