رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

لماذا لا نتعلم كيف نختلف؟!

استيقظت كعادتى مبكراً، ومارست طقوسى الصباحية اليومية، ثم ودّعت زوجتى وأولادى وانطلقت إلى عملى بإحدى دور النشر بوسط القاهرة، التى غالباً ما تكون قاعة لندوات غير مقصودة، يتبادل فيها العاملون أفكارهم فى مختلف القضايا، يتحاورون، يتناقشون، يتجادلون يلتقون، أو يتعارضون، بعض هذه القضايا قد تطرح نفسها مصادفة، وبعضها الآخر تفرضه الظروف الراهنة والأحداث المتلاحقة.

وبمجرد وصولى لمكان عملى، وبعد انتهائى من تناول قهوتى، بادرنى أحد زملائى بالمكتب المجاور قائلا: ألست معى يا سيادة الدكتور أن زمن الرجال قد ولى وانتهى؟ وأن أمثالى وأمثالك من الجنس الخشن فى حاجة ماسة لجمعية تحمى حقوقهم، بعد أن صارت المرأة هى الكل فى الكل، هى الوزير ورئيس الجامعة والقاضى والبرلمانى والمحامى والمهندس والطبيب والمعلم والمأذون والعمدة... إلخ؟ بينما صار الرجل فى أحسن أحواله، مربية مع مرتبة الشرف أو سائق «توك توك» أو زبوناً دائماً لمسابقات زيرو صفر مائة زيرو ثلاث نصبات، قاطعته إحدى الزميلات الموجودات حولنا بقولها: لا تبالغ يا أستاذ كذا، فللرجل مكانته وللمرأة مكانتها، ولا حياة لمجتمع همش نصفه، ثم أضافت الثانية مؤيدة كلام زميلتها: هذا صحيح، فهل يمكنك أن تتصور امرأةً بلا رجل أو رجلاً دون امرأة ؟ هل رأيت فى حياتك عملة لها وجه واحد؟ هل يمكنك أن تعيش حياتك الطبيعية وأنت ترى بعين واحدة وتسمع بأذن واحدة وتستعمل يداً واحدة وتمشى على رجل واحدة؟

هنا ابتسم الرجل ابتسامةً ساخرةً وهو يقول: للأسف الشديد، لقد أصبح مجتمعنا معاقاً فعلاً، يرى بعينى المرأة ويشعر كما تشعر المرأة، ويحلم بما تتطلع إليه المرأة، حتى إن العصر كله هو عصر المرأة، وبحدة منقطعة النظير تتدخل زميلة ثالثة فى الحوار، وتقول متهجمة على الرجل: تعلم ويعلم غيرك من الرجال أن المرأة المصرية كانت مجرد كيان ميت منذ العصر الفرعونى، وما حصلت عليه الآن لم يزد على نقطة فى بحور حقوقها التى ضاعت، وأهدرها الرجل عامداً متعمداً، يا سيدى، راجع معلوماتك جيداً، وكن منصفاً.

نزل كلام الزميلة الأخيرة على مسامعى كالصاعقة حتى كاد يصيبنى بالذهول، ليقينى أن المرأة المصرية لم تكن أبداً ذلك المسخ المشوه المقهور على مدى التاريخ، لم تكن الحية الميتة أو الميتة الحية، كما أن الرجل ليس ذلك الكائن الممسوخ المتنازل عن دوره لصالح المرأة، كل ما هنالك أننا لم نعد نعرف كيف نختلف، بل ونهتم بالفروع أكثر مما نفتش عن الجذور ونتكلم قبل أن نفكر ونستبق المقدمات بالنتائج، فالمسألة فى رأيى لم تعد فى: من قهر من؟ أو من له الحق أو من عليه الحق ؟ لأن المجتمع كله لا يتجزأ والإبداع لا يميز بين رجل وامرأة .

لا يصح ونحن فى القرن الحادى والعشرين، أن تتوقف حواراتنا ومناقشاتنا لاستقطاب المجتمع لنصرة الرجل أو المرأة ..  إن حريتنا مرهونة بتحررنا من الأفكار البالية التى جعلتنا نختلف فيما نصطنعه ونتصارع فيما يجب أن نتبعه، ولا شك فى أن المرأة ستظل مستعبدةً طالما لم تعِرف قيمة الرجل، والرجل أحمق إذا لم يحرص على حرية المرأة.