رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

المؤامرة الكبرى على مصر

 

 

الأمم التى تقدمت عرفت سر التقدم وتمسكت به، والأمم التى تخلفت وانحطت انزلقت إلى أسرار التخلف والانحطاط واستسلمت لها.. سر التقدم الاحتكام للعقل وسر التخلف احتقار العقل.. القاسم المشترك بين كل أزمنة النور - كما يقول المعلم الدكتور زكى نجيب محمود - هو احترام العقل.. عندما يتحقق التقدم باحترام العقل لا يصبح السر سراً، بل يتحول إلى قانون حياة وفلسفة عصر.. وعندما يتخلف قوم ويزيد انحطاطهم لأنهم سلموا العقل ومنطقه تسليم مفتاح لسكان القبور منذ آلاف السنين، ولأنهم حقروا العقل والتفكير ورضوا بأن هناك من ينوب عنهم فى تدبير وتفسير شئون حياتهم، فإن مثل هذه الأقوام لا تستحق إلا هذا التخلف وتبعاته من قهر وفقر ومذلة وهوان.. جماهير المتخلفين لا يتوقفون عن الحديث عن مؤامرة كبرى على مصر من قوى شريرة تتربص بنا وبحدودنا وبوجودنا.. الحقيقة التى لا لبس فيها أنه لا توجد مؤامرة على مصر والمصريين يدبرها وينفذها الأشرار.. المؤامرة الكبرى والتاريخية على المصريين (وسائر المسلمين المعاصرين) من صنع أيديهم هم لأنهم أماتوا عقولهم ودفنوها وأهالوا عليها التراب.. نحن الذين لم نعترف بصيرورة الزمن وحتميات التغير ووقفنا على أبواب قبور الأولين، نأخذ منها الحكمة والفكرة التى تعيننا على الحياة وتفسر لنا ما استغلق من أمور.. نحن الذين تصورنا أن تاريخ الدنيا والكون بدأ مع الإسلام قبل خمسة عشر قرنا، وما قبل ذلك كانت الدنيا خراباً وسراباً بلا حضارات ولا تجارة ولا علوم ولا فلسفة ولا برهان.. رضينا أن يكون أبوهريرة وابن تيمية وابن القيم الجوزية أقرب لنا وأصدق من عصر العلم ورموزه.. لا نأكل ولا نشرب ولا نقترب من نسائنا إلا بعد أن نستأذن عظام القبور.. أسماء ابن حنبل والقرطبى وابن كثير ومالك والشافعى أكثر حضوراً فى بيوتنا وشوارعنا وعلى المقاهى وحتى على ألسنة المساطيل وبائعات الهوى من أسماء الخوارزمى والبيرونى وابن النفيس وصولاً إلى زويل ومحفوظ والحكيم وإدريس.. فى إعلامنا ومدارسنا وجامعاتنا ساعات الحديث عن الحجاب والنقاب وآداب الجماع وعذاب القبر والثعبان الأقرع أكبر وأطول من الوقت الذى يمكن أن ننشغل فيه بقضايا الطاقة المتجددة والنانو تكنولوجى والسيارة ذاتية القيادة.. أكبر مؤامرة ارتكبناها بحق انفسنا ومستقبلنا أننا لم نعترف بالزمن وأسقطناه من حساباتنا عندما تنازلنا عن عقولنا وعصرنا لصالح أزمنة غابرة، ولصالح أناس طوتهم القبور منذ ألف سنة ويزيد.. هذا هو «سر تخلف المصريين وانحطاطهم»، وهذا ليس تعبيراً غير مهذب منى، ولكنه عنوان كتاب صدر عام 1903 للمؤلف المصرى محمد عمر.. خطورة استدعاء الماضى وحضوره المكثف بلحظتنا الراهنة أنه يحول البشرى إلى مقدس والنسبى إلى مطلق ويفتح شرايين العقل المعاصر لتجرى بها فقط أفكار القبور، لأنها هى الحاكمة والمتحكمة، وتتحول الحياة إلى موت والموت إلى حياة.. مهزلة حقيقية عبر عنها اثنان من المؤرخين - الأول ابن إياس الحنفى المصرى الذى عاش فى النصف الثانى من القرن الخامس عشر، وحتى الثلث الاول من القرن السادس عشر - أى قبل الغزو العثمانى لمصر 1517 - يقول ابن إياس مصورا غيبوبة العقل المصرى حاكماً ومحكوماً: (كانت تفرض المكوس على بيوت الدعارة والداعرات لصالح خزانة المسلمين، وعندما يحدث وباء فى مصر المحروسة أو تبدأ محاولة غزو من الخارج يسارع أولو الأمر إلى إغلاق الحانات وبيوت الدعارة درءاً لغضب الله تعالى، فإذا ما انحسر الوباء أو باء الغزو بالخذلان عادت الأمور إلى ما كانت عليه).

المؤرخ الثانى هو الباحث الفرنسى ج. دى شابرول الذى رافق حملة نابليون  والذى كتب فى دراسة له بعنوان «دراسات فى عادات وتقاليد سكان مصر المحدثين» (إن اهالى القاهرة مصر المحروسة قليلو مظاهر الانفعال، شديدو الاعتقاد بالقضاء والقدر، يتظاهرون بالغفلة كنوع من الحيلة لمواجهة عسف الحكام بهم وأن الكثير منهم يقدسون العديد من الأولياء الموتى لكى ينالوا منهم الصحة لأنفسهم والخصوبة لزوجاتهم العقيمات).. المؤامرة الكبرى اليوم وفى اللحظة الراهنة أنه بعد أن كان أجدادنا يذهبون إلى أضرحة أوليائهم يتبركون ويتمنون ويستشفون فإننا نحن المعاصرين قد استحضرنا الأموات إلى بيوتنا.. بعثنا فيهم الروح ليشاركونا كل تفاصيل الحياة ونكون فى معيتهم أينما ذهبنا - للنادى أو الجامعة أو مارينا فى الساحل الشمالى.. استحضرنا شخوص الأولين فى برامج التوك شو، ونكاد نتابع ابن تيمية وهو يهجم على نصر أبو زيد ويوسف زيدان ويسب المستشار العشماوى ويلعن طه حسين.. نشاهد ونتابع انتصارات منتخب القبور على منتخب التنوير.. فرجة مثيرة لا مثيل لها فى الدنيا حين يكتب الأموات تاريخ الأحياء.. حين تحكم القبور وتستبد وتقمع الثورات.. حين يكون الفكر كفرا.. حين تكون الحرية هى حرية أن تموت حيًا وتختن عقلك فى المهد صبيًا.

[email protected]