رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الساحل الشمالى مقبرة الاستثمار (1)

الطقس رائع طوال العام، والأرض سهلة مستوية منبسطة، والبحر فى صفائه كضحكات الطفل البرىء، يسعد من يسير على شاطئه، والنباتات والأشجار كانت حتى وقت قريب ظلاً يفر إليه كل من يريد الاحتماء من حرارة العمل طوال العام، ففى منطقة العجمى كانت تستوطن أشجار التين وتُشَيد أفخم الفيلل والقصور التى كان يسكنها أبناء الارستقراطية الحقيقية، وعلى امتداد الساحل الشمالى الغربى مسافة 400 كيلومتر من غرب الإسكندرية حتى السلوم عند الحدود المصرية الليبية، تشعر من شدة اتساع المدى وروعة وصفاء الجو وكأنك والسماء شىء واحد لا يفصل بينكما أى فاصل، إن أردت فستكبش النجوم بيديك ومهما أطلت فى السير فلن يداهمك التعب بل وستؤنسك خطواتك التى لن يسمع سواك صداها.

باختصار شديد، كان هذا الساحل الشمالى الغربى أشبه بجنة لا يفوز بها إلا كل مؤمن بالجمال والمصدق بالجميل، لكن مثلما وسوس الشيطان لحواء بما أخرجت به آدم من الجنة يُوَسوِس ثانية لضعاف النفوس بإفساد وتدمير أجمل بقاع مصر مناخاً وطبيعة واتساعاً مقابل مكاسب شخصية رخيصة، كانت نتيجتها إضاعة المليارات على أهل هذا البلد خلال أكثر من 30 سنة وحرمانهم من رؤية البحر، والاستمتاع بشاطئه وتمليك أراضيه لهواة المنظرة والفشخرة والتباهى بدفع الغالى فى سبيل شراء قصور وفيلل وشاليهات وشقق قد لا يذهبون إليها أكثر من أسبوع أو أسبوعين خلال السنة بينما يتركونها بقية المدة للعواصف والأمطار والرياح كبيوت للأشباح، ترتفع أسعارها بصورة مرعبة بفعل ثقافة التكالب التى ابتلينا بها وبفعل المضاربات التى تحدد قيماً كاذبة لأسعار السوق بينما هى فى الواقع تحتل مساحات غير مستغلة، ولا تسمح مطلقاً بالتفكير فى إعادة استثمار هذه المنطقة استراتيجياً والتوسع عمرانياً.

بينما نجد أنه من الممكن؛ حفاظاً على أمن مصر من ناحية وحماية لثروات طبيعية، تحويل مدن الساحل الشمالى لمجموعة مدن عالمية مرتفعة القيمة اقتصادياً وسياحياً، تماماً مثلما فعل الفرنسيون حيث جعلوا من سواحلهم الخلابة مناطق جذب للسياح حتى أصبحت مزاراً لهم وبلغ عددهم حوالى 11 مليون سائح فى العام الماضى بإيرادات بلغت نحو 20 مليار دولار، الأمر نفسه حدث فى دبى التى كانت حتى الأمس القريب صحراء جرداء لكن بأفكار الوطنيين والشرفاء من أهلها، جعلوها أعظم مدن العالم وأكثرها نضارة وجمالاً حتى أن دخلها من السياحة وحدها وصل إلى 182 مليار دولار سنوياً أى ربع الموازنة العامة لمصر المقهورة بغباء بعض مسئوليها والمحاصرة بالانتهازيين وتجار المعاناة.

الأدهى والأمَر أننا منذ بداية عام 2016 نسمع ونقرأ ونشاهد العديد من الإعلانات حول بيع فيلات وشاليهات فى خليج رأس الحكمة – أجمل بقاع الساحل الشمالى بداية من الضبعة حتى الكيلو 225 طريق مرسى مطروح، وكانت حتى وقت قريب لم تمسسها يد الشر ولم تستولِ عليها شركات العقارات، وكانت تمثل الأمل فى تدارك بعض الأخطاء وإعادة استثمار هذه الأرض بما يخدم مصالح الناس ويبنى لهم تجمعات سكنية متكاملة البنية لكن يضيع خليج الحكمة مثلما ضاع سابقه، علماً بأن تعويضه سيصبح مستحيلاً وعلماً بأنه يضيع على مرأى ومسمع من مسئولى الدولة وعلى عينك يا تاجر ولم نسمع أن أحدهم استفزته النخوة أو الغيرة الوطنية أو خوفاً على مستقبل الأجيال القادمة، قد اتخذ قراراً شهماً لإنقاذ البقية الباقية مما تبقى من أراضى الساحل الشمالى.