رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الحكم بعد المشاهدة

يبدو أن اللغط الدائر حاليًا، في أنحاء متفرقة من العالم الإسلامي، بشأن عرض الفيلم الإيراني "محمد رسول الله"، سيظل مثار جدل الكثيرين خلال الفترة الحالية؛ وربما المقبلة أيضًا؛ خصوصًا وأنه يلقى اعتراضًا قويًا من الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية.

خلال الثماني سنوات الماضية ـ منذ الإعلان عن بدء تصوير الفيلم ـ لم يتوقف الجدل الدائر حول قضية تجسيد وظهور الأنبياء والصحابة وآل البيت و"العشرة المبشرين بالجنة" في أعمال فنية، في ظل رفض قاطع وصريح، مثلما حدث في السابق مع فيلم "الرسالة" ومسرحية "الحسين ثائرًا".

الفيلم الجديد، واجه معارضة شرسة من دول عربية، بعد أن أفتى عدد من علماء وفقهاء "السُّنة" بحرمة مشاهدة الفيلم بسبب تجسيده لشخصية خاتم الأنبياء، فيما أباحه بعض مراجع "الشيعة" في إيران، وآخرون في تركيا وبلدان أخرى.

بعيدًا من الفتوى بالتحريم والإباحة، وتأكيد صنَّاع الفيلم بأنه يهدف لتغيير "الصورة العنيفة" عن الدين الإسلامي، وأن ملامح النبي محمد لا تظهر في الفيلم، بفضل تأثيرات خاصة لا تظهر ملامح الوجه على الإطلاق، بل يمكن رؤية ظل الجسد، يبقى القول إنه من السابق لأوانه الحكم مبكرًا على الفيلم.

إننا لم نشاهد الفيلم حتى يمكن الحكم عليه والهدف من ورائه، حتى نعلن رفضنا واعتراضنا؛ في حال وجود انتقاص من هذه المكانة الروحية التي يجب الحفاظ عليها؛ خصوصًا وأن بعض الأعمال المشابهة لاقت استحسانًا وإقبالًا من الجمهور فاق التوقعات.

إن أسلوب المنع لم يعد يجدي نفعًا، ولم يصمد أمام مشاهدة أفلام ممنوعة من العرض مثل "الخروج: آلهة وملوك" للمخرج البريطاني ريدلي سكوت، والفيلم الأمريكي المثير للجدل "نوح"، في ظل العالم الفتراضي الذي نعيشه، خصوصًا وأن الممنوع مرغوب، والإعلام البديل متوفر لدى الجميع.

باعتقادنا، لا يوجد دليل قطعي يمنع تجسيد الأنبياء وغيرهم فى الأعمال الفنية، ولذلك لا نرى حرجًا في عرض تلك الأعمال، إذا كنت منضبطة ولا تقع تحت طائلة ازدراء الأديان، أو كانت تحمل مضمونًا ساميًا وفهمًا حقيقيًا للدين، من دون غلو أو تفريط.

بكل أسف، لا يزال الكثيرين يعانون من أزمة تحجر العقول، والعادات التي تعوَّد البعض أن يمارسها دونما تفكير أو قياس مسبق لصحتها، فلا يغير ما يتعلمه ولا يبدل آراءه التي طغى عليها غبار الزمن.

عندما يقال إن الحرية تبدأ حيث ينتهي الجهل، من الضروري أن نسأل أنفسنا، كيف سيتجرد الإنسان من قيوده، وهو لا يستطيع أساسًا أن ينفتح فكريًا، ويترفع ثقافيًا، في ظل مجتمعات تتبنى مفاهيم خاطئة تقبع في سجون الظلام، تحت رماد الأفكار المقيدة بسلاسل حديدية.

يبقى الحل دائمًا في متناول اليد؛ لأننا نحن من يقرر كيف يعيش، سواء أكان بالبقاء أسرى مفاهيم معقدة وأفكارًا غير منفتحة ومعتقدات مكبدة بخشونة العادات المفروضة، أم بتحرر مرن؛ محسوب ومسؤول؛ يواكب الظروف المتغيرة والتطورات المستجدة، من دون تزييف أو فقدان للهوية.