رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الأستاذ العميد محيى الدين عوض

رحم الله عميد كلية الحقوق بجامعة المنصورة المنقول إليها من السودان، حيث كان يتولي تدريس قانون العقوبات والإجراءات الجنائية بفرع جامعة القاهرة بالعاصمة السودانية منذ افتتاحه في أعقاب إعلان استقلال السودان في يناير 1956،

وقد تخرج علي يديه آلاف القضاة والمحامين الذين غيروا وجه الساحة القضائية السودانية التي كانت تسودها اللغة الإنجليزية، فتحولت إلي اللغة العربية وهي لغة شعب السودان الذي كان يعيش أوضاعاً قضائية غريبة عليه عندما يذهب المتقاضون أو المتهمون للمحكمة ويجدون القاضي يدير الجلسة باللغة الإنجليزية، لأن القانون الذي تعلمه في جامعة الخرطوم ناطق بالإنجليزية التي تسود الجلسة، بينما المواطن السوداني في وادٍ آخر لا يفهم ما يدور بشأنه في القضية، حتي عدلت مصر من ذلك الوضع بافتتاح كلية الحقوق في السودان وتخريج المئات والآلاف من دارسي القانون السوداني باللغة العربية، خاصة علي أيدي أستاذهم الشهير الدكتور محمد محيي الدين عوض، الذي قام بتعريب قانون العقوبات وإجراءاته وأصدر مؤلفاته العديدة المفهومة بلغة شعب السودان.

واكتسب الدكتور شهرة كبيرة في السودان، وكان بيته في الخرطوم جاذباً لزيارات كبار القضاة والمحامين، الذين يبادلهم أيضاً بزيارات أسرية حتي توطدت علاقاته الحميمة بكل رجال القضاء والمحامين، وبفضل إسهاماته في المجال القانوني، في قانون العقوبات السوداني وإجراءاته، مهد لإعادة تقنين منظومة السودان التشريعية عندما تولي رئاسة الحكومة صديقه المستشار بابكر عوض الله، رئيس القضاء الشهير الذي كان في مقدمة الصف الأول لثورة شعب السودان عام 1964.

وبتلك العمادة الشرفية السودانية لمحيي الدين عوض، كان هو همزة الوصل بين رئيس القضاء وسائر الأساتذة المصريين كما حدث عند أزمة نوفمبر 1965 المعروفة بأزمة طرد النواب الشيوعيين من الجمعية التأسيسية، فقد أرشده للاستعانة بمشورتي الدستورية في القضية المنظورة أمام المحكمة الدستورية العليا، وقد تشرفت بزيارته في مكتبه وسلمته مذكرة قانونية دستورية، حيث كنت أقوم بتدريس القانون الدستوري، وقد صدر حكم المحكمة العليا السودانية، وفق مذكرتنا العلمية وقضاة المحكمة الفيدرالية العليا الأمريكية.

والدكتور محيي الدين عوض، هو الذي وضع تقليداً اجتماعياً جميلاً في الخرطوم، إذ كانت أسر الأساتذة يلتقون كل مساء في أحد البيوت لتناول العشاء وقضاء أمسية جميلة، ما جعل مجتمع كلية الحقوق عائلة كبيرة تسودها المودة والمحبة، وتخفف عناء الغربة عن مصر.

وعندما انعقد بالخرطوم مؤتمر المائدة المستديرة في بداية عام 1965 لحل مشكلة الجنوب، شاركنا بالفكر والرأي خارج نطاق المؤتمر، حيث قرأنا مشروع الاتحاد الفيدرالي الذي قدمه «وليم ونج» عن جنوب السودان ووجدناه الأصلح لحل مشكلة الجنوب وأفضل كثيراً من مشروع الأحزاب الشمالية السودانية، وليتها وافقتنا الرأي وأخذت بمشروع الاتحاد الفيدرالي المقترح من الجنوب.. وكانت النتيجة تدهور الأحوال بين مديريات الجنوب وبين حكومة الخرطوم، حتي وصلنا للمأساة الحالية بانفصال الجنوب عن الشمال تماماً، بل تفتيت الجنوب.

لقد ترك محيي الدين عوض سمعة عظيمة له في السودان بقدر ما اتسعت سمعته الطيبة حتي شملت المملكة العربية السعودية، عندما انتقل للعمل بالرياض، وكان من حسن حظي أن شاركته شهرين منتدباً بالمعهد العالي للدراسات القانونية التابع لجامعة الدول العربية، ولم أندهش من انتقال عُمدية محيي الدين عوض لأساتذة القانون والقضاة في السعودية، وكنت ألحظ ما يتمتع به من احترام كبير مثلما كان محل احترام القضاة السودانيين، فكان بحق عمدة في السودان وعمدة في السعودية.

ما الذي جعلني أكتب هذا الكلام بعد وفاته؟.. إنها ذكري عجيبة هزتني صباح أمس عندما نهضت مبكراً وأردت أن أتصفح جرائد الصباح، الذي يحضرها إليّ الأخ المثقف خميس، موزع الجرائد في حوالي السابعة صباحاً، بعدما أكون قد أعددت له كوب الشاي وباكو البسكويت ليفطر معي، وإذ بي لا أجد باكو البسكويت، واحترت ماذا أقدم له مع كوب الشاي، وفتحت الثلاجة فوجدت بها عجينة طعمية طازجة، فأعددت ثماني قطع منها وقسمتها بيني وبينه في سندويتشات ساخنة، وتذكرت في تلك اللحظة أن محيي الدين عوض لم يجد في بيته بالرياض شيئاً يقدمه لي عندما زرته مع أذان المغرب وأسعفه ذكاؤه وكرمه لأن يعد بسرعة عدداً من أقراص الطعمية الساخنة ويقدمها لي في سندويتشات يقتسمها معي، ليضيف ذكري جميلة إلي سجل ذكرياته الطيبة.

أرأيتم حضراتكم ماذا تفعله الذكري الطيبة، ولو بعد فوات عشرات السنين.. رحم الله محمد محيي الدين عوض، وبارك في أولاده وأحفاده.