رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

المواطن "ع. ح. ع"

إنا لله وإنا إليه راجعون.. انتقل إلى رحمة الله تعالى المواطن "ع. ح. ع" رئيس عمال النظافة بحي الهرم.. والد كل من "س" عامل النظافة بحي الشرابية، و"ص" عامل النظافة بحي الأزبكية"، و"ل" عامل النظافة بحي شبرا.

المتوفى زوج بنت "ص" رئيس عمال النظافة بحي بولاق، وابن عم "أ" رئيس قطاع النظافة بحي البساتين، وزوج خالة "ج" نقيب عمال النظافة والتجميل، وصهر "هـ" مسؤول النظافة المركزية بمدينة نصر.

لم يكن هذا النعي واردًا في الحسبان، وأنا "أتخيل" تصفحي لجريدة الأهرام العريقة، في عددها رقم "00000"، حيث لفت انتباهي ذلك النعي في صدر صفحة الوفيات، فقرأت له الفاتحة ودعوت له بالرحمة والمغفرة، بعدما تيقنت من خبر وفاته، لأنه من لم يمت في "الأهرام" فإنه لم يمت بعد!

لم أكن "أحلم" بذلك اليوم الذي أقرأ فيه نعيًا في أكبر الصحف على مستوى العالم العربي، لأحد عمال النظافة الشرفاء، الذين يؤدون عملهم بإخلاص وتفانٍ، من أجل لقمة العيش الحلال، وكسب قوت يومهم بشرف.

العم "ع. ح. ع" حرص طوال حياته أن يكد ويعيش معاناة حقيقية مع الغلاء والفقر ومصاعب الحياة، من أجل أن يربي أبناءه على القيم والنزاهة والخلق القويم، وظل يغرس فيهم الاعتماد على النفس والشهامة والمروءة.

كان "الفقيد" دائمًا يردد أمام أبنائه منذ نعومة أظفارهم أن "القناعة كنز لا يفنى"، و"الرضا بالمقسوم سعادة على وسادة الصبر"، و"أن تكن قانعًا وراضيًا تكن أغنى الناس"، ولذلك كان قانعًا أن يورِّث أبناءه وظيفته، كما هو الحال في باقي المهن والوظائف!

ولكن تبقى حلم آخر مؤجل لـ"الراحل"، لم يمهله القدر حتى يراه يتحقق.. حلم بسيط، لمواطن بسيط، وأمل مشروع لإنسان شريف، لكن الحياة كانت قاسية عليه، وفارق الحياة قبل أن يرى حلمه يتحقق.

لم يمت العم "ع. ح. ع" بسبب معاناته مع قلة الدخل، أو عدم تلبية متطلبات أسرته، أو معاناته مع المرض، أو بسبب انقطاع أمله ورجائه في الشفاء من "فيروس سي"، ولكن بسبب كلمات سمعها، لم يستطع تحملها.

في إحدى الليالي جلس "الفقيد" مع زوجته وأبنائه أما التلفاز "المتنفس الوحيد لهم"، ليفاجأ بحديث لوزير العدل حول تعيين أبناء العاملين فى النظافة بالسلك النيابى: "مش للدرجة دي، القاضي لابد أن يكون من طبقة مناسبة لهذا العمل مع احترامنا لعامل النظافة ومن أقل منه، القاضي له شموخه ووضعه ولابد من أن يستند إلى وسط محترم ماديًا ومعنويًا".

لم يكد ينتهي كلام الوزير حتى سقط "الراحل" مغشيًا عليه، وانتابته أزمة قلبية، فارق معها الحياة، بعد أن كان يمني نفسه بالتحاق ابنه الصغير، الطالب المتفوق في كلية الحقوق، بسلك القضاء بعد التخرج.

لم يتحقق حلم "الفقيد"، وهو الذي كان يردد أمام أبنائه، أن أول حروف اسمه لها مدلول ومعنى، خصوصًا بعد ثورة يناير، فالـ"عين" عيش، والـ"حاء" حرية، والـ"عين" عدالة اجتماعية، ليصبح مصير المواطن البسيط، غياهب النسيان، ولا أراكم الله مكروهًا في عزيز لديكم.