رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

دفتر الوظيفة البغيض

نعدو كالحمير الوحشية على صفحات الشوارع، نتقافز كالقرود من على أغصان الأرصفة غير الممهدة إلى مقبرة مترو الإنفاق أو أشجار الأتوبيسات والميكروبصات والتكاتك، نصرخ ونضحك ونحلل ونثرثر ونرفس ونتناطح ونشجب، نسب ونتعارك وندمى أنفسنا بالكلمات واللكمات والألسن والأقدام، نرتدى أقنعه الثعابين والعقارب والضباع والذئاب ونترك أقنعه الصقور والأسود والغزلان، ننهش سيرة بعضنا بحب، ونأكل لحم بعضنا بمرح، ونمصمص الشفاه على الماضى السعيد، ونلعن تلك الحياة البائسة التى نحياها، أقدامنا مربوطة بطلبات واحتياجات وأقساط وديون ورياح وأطفال ونساء، وجيوبنا خاوية من النقود كبئر مهجورة فى صحراء لم يستطع أحد عبورها، وعندما نقف لحظات، نجد أنفوسنا واقفين فى طابور خبيث لعلبة لبن أطفال أو أنبوبة غاز أو رغيف خبز أو مكتب تنسيق رضوان بواب الجنة أو جريمة لم نرتكبها، نحاول الجلوس على مقعد فيغزنا مسمار صدئ قبيح لنجار ممسك بشاكوش السلطة، وجوهنا حزينة ككتب التاريخ، وباهتة كسجاجيد المساجد، وجافة كشهر أغسطس، وعابسة كحذاء ملقى بمنتصف الطريق دهسته آلاف السيارات، عقولنا لم يعد بها إلا أرقام الفواتير والطلبات والمستحقات والالتزمات التى يجب ان تسدد، وأفوهنا لا يخرج منها إلا السعال والبصاق والكلمات النابية، نحاول أن نبدوا متماسكين ومرحين وفخورين بأنفسنا ونحن نحتسى أكواب الشاى والقهوة والنسكافيه، نسند رؤوسنا على لهيب النيران أو شرفات النوافذ أو أشعة القمر، تتساقط من عيوننا الدموع مثل النساء العرايا، ووجوهنا لا يغلفها إلا التجهم والتحفز والضيق والبؤس العظيم.

اليوم كالسابق وكالذى يليه، نبحث فى جنبات القلب عن ذكرى طيبة فلا نستطيع أن نستحضرها، نضغط على عقولنا كى نتذكر أغنية عذبة أو شخصية مرحة فلا نفلح، نتجول بالريموت بين قنوات التليفزيون عن مسرحية فكاهية أو فيلم قديم يؤنس ساعاتنا المحترقة دون جدوى.

نستيقظ بضربات سوط الوظيفة البغيض، نهرول كالمجاذيب تحت سماء معبأة بالخناجر والأحذية والطلبات والعيون الكارهة والحسد العظيم، وفى الطريق نلتف حول عربة فول كأسراب النمل التى التفت حول قطعة حلوى سقطت من فم طفل يجرجره والده للمدرسة، نوقع بقلم شاذ فى دفتر رصت فيه اسماؤنا مثلما ترص جثث القتلى فى حرب لا يعرفون أسبابها، بعدها نركن دون عمل حقيقى على أى مقعد أو رصيف أو مقبرة، نطل على يومنا الذى ضاع وحياتنا التى نهبت وأحلامنا التى تتراقص كلاعبات الباليه دون ان نحققها أو حتى نرقص معها.