رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

خارج السطر

مشروع مصر الأكبر ما زال منسياً

كان المفكر والأديب الراحل الدكتور مصطفى محمود يردد كثيراً أن عبدالناصر بنى السد العالى وهدم الإنسان المصرى.

ودون مبالغات أتفق فى أهمية مشروع السد والذى مثّل حُلماً وأملاً وربما ساهم فى فيض من الخير للمصريين، استصلاحاً لأراض جديدة، وإضافات للكهرباء المُنتجة، ودفعاً لمناطق عمرانية حديثة للتمدد والتوسع، لكن ما قيمة كُل هذا فى ظل بقاء شخصية المصرى خائفة، إتكالية، خاضعة للأقوى، ومُهملة للعلم وخانقة للإبداع.

فى سبتمبر 1970 مات جمال عبدالناصر بعد أن أصاب الشخصية المصرية بشروخ وتشوهات مازلنا ندفع ضرائبها حتى الآن. وبلا شك فإن خنق الحريات، والتربص بالخصوم، وتحويل القائد إلى زعيم، ثُم إلى آخر الأنبياء على حد قول الشاعر السورى نزار قبانى هدم أى قيمة لمشروعات الحجر. لقد انتشر المخبرون، وعلا أهل الثقة، ووزعت المكاسب على المُصفقين والمطأطئين والمطبلاتية، وهاجر المُبدعون، وتوارى الأحرار، وانزوى أصحاب الأفكار الخلاقة.

وما يحدُث فى مصر اليوم شبيه إلى حد كبير بما جرى فى عهد ناصر. بروباجندا زاعقة حول مشروعات وانجازات الرئيس، فى ظل اتساع ونمو واضح لقمع الآخر وتشويه الخصوم، وتخوين أصحاب الآراء المختلفة. إن مُبرراتية النظام يُكررون أحاديث «المؤامرات الخارجية» و«الأوقات العصيبة» و«الظروف الاستثنائية» لدرجة تشعرنا بأننا أسياد العالم الذين يحتشد القاصى والدانى لتدميرهم وتفتيت بلادهم ودحرها، غير أننا لا نرى لتلك السيادة أى دليل.

ويحضرنى هنا ما كتبه صديقنا المبدع الجميل مصطفى بيومى ساخراً: «قبل أن أولد بسنوات كان الوطن العزيز يعيش مرحلة عصيبة حرجة، وهأنذا أقترب من الموت، والوطن العزيز يعيش مرحلة عصيبة حرجة. من يدلنى على معنى (عصيبة حرجة)؟»

المشروعات القائمة كثيرة وعظيمة، بعضها مساكن، وبعضها طُرق، وبعضها أراض زراعية جديدة، لكن المشروع الأهم، والأكثر إلحاحاً ممنوع فى مصر. مُعطل، ومنسى، ومذموم، وملعون من قبل النظام وسدنته. إنه مشروع بناء الإنسان المصرى، وتحضيره، وتعليمه، وتحديثه. مشروع تحرير المصريين من الخوف والقهر والحاجة، منحهم الحق فى الصحة دون تسول وإعطائهم الحق فى التعامل مع أجهزة الدولة دون رشاوى. مشروع السماح للناس بالتظاهر سلمياً، والاعتراض دون سب، وقول لا دون خوف. مشروع فتح نوافذ الحرية والخيال والتحليق بلا حدود.

ما يؤسف له أن تقدم الدولة مشروعات حقيقية، ويشارك الرئيس فى افتتاحها، وتصفق الأكف إشادة ومدحاً، ويكتب المتقوسون إعجاباً، ويبشّر الموالسون، ولا يشعر الناس بأى تغير. فقط، يهزون رؤوسهم تسليماً، فإذا تولى زمن الرئيس ولا بد يحصل لم يذكروا له سوى الأوجاع والسقطات.

ذلك لأنه مثل غيره استثمر فى الحجر لا البشر. والله أعلى وأعلم.

 

[email protected]