رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

بين أصحاب العلم وأصحاب المال

إن معناك الحقيقى كامن فى معرفتك بقدراتك واحترامك لذاتك وإنسانيتك ومراعاتك لمشاعر الآخرين وقيمتك الحقيقية فيما تساعد به الناس من علمك ومعارفك ووعيك بحقائق الأمور، كما أن تسلحك بالعلم أعظم ألف مرة من استحواذك على المال، خاصة أن العلم يولد ولا يموت والمال قد يموت أغلى ما يولد، العلم سيضىء لك طريقك، بل ويقودك إلى التأمل والتدبر والحكمة، بينما المال قد يدفع بك للانتحار أو الجنون، العلم ينفعك ويحرسك والمال يضرك وتحرسه، العلم حاكم على المال والمال لا يحكم على العلم، وصاحب العلم ذكره باق وصاحب المال ميت، وما أكثر العلماء والأدباء والمفكرين الذين رحلوا عن دنيانا ولم يتركوا درهماً أو ديناراً أو عقاراً، بل وعاشوا حياتهم غارقين فى العوز والفقر، ومع ذلك تبقى ذكراهم –برغم تقلبات الدهر وتراكم الأيام والشهور والسنين– عصية على النكران أو التلاشى، محفورة فى العقول والقلوب، تنتشر أفكارهم وكأنها ابنة اللحظة وشريكة فى صنع الواقع.

فالجاحظ أهم لغويى ونقاد العصر العباسى وصاحب أشهر الكتب العربية: «الحيوان، البخلاء، البيان والتبيين وغيرها» لم يتربح من مهنة الأدب بقدر ما عانى بسببها، إذ كان يشترى الكتب بما فى حوزته من دراهم قليلة بدلاً من أن ينفقها على طعامه وشرابه وملبسه، وأدى نهمه للقراءة إلى إجهاد عينيه حتى جحظت لذلك سمى بالجاحظ، وعاش اسمه منذ ذلك الحين حياً بيننا، تتزود بعلمه الأجيال المتتابعة من الأساتذة والباحثين والمفكرين وهواة الأدب، وكذلك الشاعر الكبير أمل دنقل والذى عاش حياة مليئة بالقهر والذل والفقر ومع ذلك أنتج من الشعر لآلئ سيظل عشاق الأدب يتزينون بها فى تجسيد هويتهم العربية والتغنى بحب الوطن، أما الكاتب الكبير جمال حمدان صاحب أهم الكتب المؤثرة فى حياتنا الثقافية المعاصرة «شخصية مصر» فقد مات فى شقة متواضعة من غرفة واحدة بأحد الأحياء الشعبية، وقيل إنه شنق نفسه بسبب عجزه عن توفير المال وعيش حياة كريمة، ولا ننسى شاعر البؤس عبدالحميد الديب، الذى تمرغ فى الفقر وذاق الأمرين من شظف العيش حتى اقترن البؤس باسمه وصار كنيته.

سئل أحد الحكماء يوماً: (الأغنياء أفضل أم العلماء؟) فأجاب: (العلماء طبعاً) قيل: (فما بال العلماء يأتون أبواب الأغنياء ولا يأتى الأغنياء أبواب العلماء؟) رد الحكيم: (لمعرفة العلماء بفضل المال وجهل الأغنياء بقيمة العلم)، كما سئل أحد الفلاسفة: (ما أكثر ما يدهشك فى الحياة؟) فقال الفيلسوف: (الإنسان، لأنه يضحى بصحته من أجل المال، ثم يضحى بالمال من أجل استعادة صحته) وقال نابليون: (قوام الحروب ثلاثة: المال والمال والمال).

لكل ما سبق، إياك عزيزى القارئ أن يكون المال جل همك ومنتهى أملك لأنه لن يصنع لك مجداً أو تاريخاً وعندما يتكلم المال يصمت الصدق، ولو افترضنا أنك اجتهدت لتحصل عليه فسيقال عنك «مادى» وإن لم تحصل عليه فأنت «فاشل» ولو كنزته فأنت «بخيل» ولو أضعته فأنت «مبذر» ثم إن صاحب المال مبتلى دائماً بكثرة الأعداء، أما صاحب العلم فمحظوظ بالأصدقاء والمحبين، وغنى المال يخشى عليه من الفقر وغنى العلم لا يكترث بالفقر ولا يخشاه، فكن غنياً بعلمك وواعياً بأنه لن يبقى منك للناس إلا ما ينفعهم، وثق بأن كل يوم يمر من عمرك دون أن تتعلم فيه شيئاً جديداً هو بالنسبة لك يوم ضائع سيستحيل تعويضك إياه وإن لم ينفعك العلم فلن تكون أبداً فى مأمن من ضرر الجهل ولسان الجاهل حتفه، وختاماً أرجوك أن تضع كلمات هذا الحكيم حلقة فى أذنك: (الرزق مقسوم والحريص مهموم والبخيل مذموم والحسود مهموم) والعلم نجدة من يريد الخلاص من سطوة المال، ولا تنس قول الشاعر:

يا جامعاً مانعاً والدهر يرمقه مفكراً أى باب منه يغلقه

جمعت مالاً ففكر هل جمعت له يا جامع المال أياماً تفرقه

المال عندك مخزون لوارثه ما المال مالك إلا يوم تنفقه

فخبرنى بالله عليك أى الطريقين تختار؟ أن تكون غنياً بالعلم أم غنياً بالمال؟