رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

اختطاف ابن تيمية

فى عام 1993 كتبت هنا فى «الوفد» عن «ابن تيمية رمز التطرف»، وبعد نحو ربع قرن أكتب عن «ابن تيمية رمز الإرهاب».. مما يكشف عن تغير الصورة الذهنية لدى الكثيرين عن علم إسلامى كبير لا يقرن اسمه سوى بلقب «شيخ الإسلام» من السيئ إلى الأسوأ!  كل ذلك لا لشىء سوى أن تنظيما مثل داعش الإرهابي, فيما بدا اختطاف لابن تيمية، أعلن أنه يستند فى جريمة حرق الطيار الأردنى إلى فتوى لشيخ الإسلام.

لقد كان من نتيجة ذلك أن أصبح ابن تيمية نصيرا للإرهاب أو داعما له حتى أن الاردن أقدم على خطوة تعد الأولى من نوعها وهى منع كتبه من دخول البلاد، رغم انها تدرس كما ذكر البعض فى كليات الشريعة هناك، فيما راح البعض يحاول النيل من الرجل، فى تهمة أخرى هى الأولى من نوعها أيضا منذ وفاته لم يوجهها له حتى من اتهموه بالكفر، بأنه كان عميلا للتتار.. تصور! رغم أن كتب التاريخ تذكر لنا أن ابن تيمية لم يكتف بالعمل القائم على تحريض الناس والأمراء فى مصر والشام على القتال بل نراه يلقى بنفسه فى الميدان فى واقعة «شقحب» التى شهد ابن تيمية خلالها القتال بنفسه وقاتل فيها هو وجماعة من أصحابه.

 على هذا النحو من الخفة جرى التعامل مع شيخ له باعه فى الإسلام بشكل قد لا يضاهيه فيه الكثير.. بدءا من الكندى مرورا بالفارابى وابن سينا والغزالى وليس انتهاءا بإبن رشد وإبن خلدون.

فى معرض النقاش وتوضيح مكانة الرجل، نشير إلى أن كاتبًا يساريا عالى القيمة والمقام هو عبدالرحمن الشرقاوى قدم سيرة ابن تيمية فى مجموعة إسلامياته فى كتاب كامل نشرته الهيئة المصرية العامة للكتاب، وهى جهة رسمية راحت تشير فى معرض تقديمها للكتاب إلى أنه «نظرة عادلة وعميقة إلى حياة الفقيه العظيم ابن تيمية, وفكره.. على ضوء ما تعرض له ابن تيمية فى حياته من محنة وبعد موته من سوء استغلال تارة أو تجاهل بسبب سوء الفهم تارة أخرى».

ولم تكتف الهيئة بذلك وإنما راحت تقدم الرجل مرة ثانية ضمن سلسلة الأعلام فى كتاب ألفه الدكتور محمد يوسف موسى بعنوان «ابن تيمية».  كما أن مؤسسة مثل «الأهرام» وهى مؤسسة رسمية أيضا راحت فى تقديمها لتراث عباقرة العرب والمسلمين تقدم لنا كتابه «درء تعارض العقل والنقل» ضمن سلسلتها «تقريب التراث» ولم يدر بخلدها أنها إنما تخلّد داعما للفكر الإرهابى! ولعل الفنان الكبير عبدالله غيث ينتفض فى قبره حينما يدرك أنه بتقديمه لشخصية مثل شخصية ابن تيمية فى عمل فنى كان يقدم لرجل سيتهم فيما بعد بمساندة الإرهاب أو دعمه أو تشكيل حاضنة له.

محاولة الاقتراب من ابن تيمية وفكره وفقهه بل وفلسفته تقتضى مكانا وحيزا غير ذلك، يمكن معه الاستفاضة، فابن تيمية شخصية جدالية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وهو ما يفسر ذلك التراث الكبير من الكتابات بشأنه على مدار التاريخ الإسلامى منذ رحيله.

ويكفى ذلك المثال للدلالة على ما وصل إليه موقف معاصريه منه وهو الموقف الذى شهده ورواه ابن بطوطة حيث يشير إلى أنه فيما كان ابن تيمية يعظ  الناس من على المنبر وبعد حديث له بشأن نزول الله إلى السماء الدنيا استنكروه «قام العامة إليه وضربوه بالأيدى والنعال ضربا كثيرا حتى سقطت عمامته وظهر على رأسه شاشيه حرير (وهو محرم فى الإسلام للرجال) فأنكروا عليه لباسها واحتملوه إلى دار قاضى الحنابلة فأمر بسجنه وعززه بعد ذلك وأمر بسجن ابن تيمية بالقلعة».

ولعله كذلك مما يشير إلى الطبيعة الجدالية بشأن ابن تيمية أنه وهو صاحب «كتاب الصارم المسلول على شاتم الرسول»، نجد من يقوم بالرد عليه بتهمة الإساءة للنبى من خلال كتاب آخر بعنوان «أخطاء إبن تيمية فى حق رسول الله وأهل بيته».

إن مشكلة التعامل مع شخصية مثل ابن تيمية.. حياته التى تثير العجب حتى لناقديه والتى يعد الدأب والذكاء سمتيها الاساسيتين كما يذكر ناقده المفكر التونسى الراحل عبدالوهاب المؤدب، والوجوه المتعددة التى ظهر بها لمعاصريه ولنا فهو الفقيه العالم المفسر المفتى الفيلسوف، كما أن كثرة تآليفه وتعدد مجالاتها وطبيعة الآراء التى قدمها جعلت منه شخصية فى قلب الأخذ والرد. وإذا كان من غير المطلوب منا تقديس إبن تيمية، فإنه وبذات القدر يجب الاشتباك مع تراثه ونقده برصانة وموضوعية. وقد يمثل ما ذهب إليه المؤدب فى كتابه «أوهام الإسلام السياسي» نموذجا لما نود الإشارة إليه حيث قدم نقدا لاذعا لابن تيمية حين راح يصفه بأنه: عالم دين محرض ومتحمس يحرك الجماهير ويثير حفيظة زملائه من أهل العلم والسنة، حتى الحنابلة المنتمين إلى مذهبه الفقهي، وقد أعيت مواقفه وتحريضاته السلطة السياسية فهو يمثل صوتا عقائديا يزعج السلطات دون أن يحظى بإجماع العلماء، ولكنه فى المقابل نال إعجاب الجماهير التى تألف التبسيط وتفضل الالتزام بظاهر الرسالة دون بذل أى جهد فى القراءة والتأويل».

وهى النظرة التى يقدم نقيضا لها وبشكل يبدو بالغ الموضوعية الكاتب الدكتور عبدالحكيم أجهر فى كتابه «ابن تيمية واستئناف القول الفلسفى فى الإسلام» حيث يقرر أن مشروع ابن تيمية يقوم على صياغة موقف يتفق كليا مع معايير العقلانية فى ذلك الزمان فى عدد من المسائل.. بل يقرر أن تأويل ابن تيمية هو تأويل عقلى إن صح التعبير ويصل به إلى أنه أقرب ما يكون إلى ما صرح به ابن رشد بوضوح ولم يصرح به ابن تيمية أى تأويل عقلى يتجاوز ظاهر النص إلى باطنه العقلي.

بهذه الروح العلمية التى تنتصر للبحث عن الحقيقة يجب التعامل مع ابن تيمية أو غيره.. وتلك هى أزمتنا الكبرى!

[email protected]