رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

نور الشريف... سيرة وطن

 

 

غيب الموت الفنان نور الشريف... أبرز أبناء جيله تأثيراً وحضوراً واقتراباً من المصريين بعمومهم حتي ظنته كل عائلة في مصر فرداً منها... تلك الحميمية وهذا الاقتراب سمة حرص نور الشريف عليها في أعماله التي قدمها فكان له ما كان من مكانة كبيرة احتلها في قلوب المصريين.

< إطلالته الأولي علي المصريين كانت في شخصية عادل في العمل الشهير مسلسل «القاهرة والناس» مع تلك النخبة الرائعة من النجوم (أشرف عبدالغفور- محمد توفيق- ملك الجمل- فاطمة مظهر- عزيزة حلمي)... الذين دخلوا البيوت عبر عملهم الشهير الخالد الذي حظي بجاذبية ومتابعة واسعة لتعبيره الجيد والمتقن عن واقع الأسرة المصرية في حينه.

< أما كمال عبدالجواد فهو الأيقونة الخالدة التي جسدها نور الشريف في «قصر الشوق» ثم في «السكرية»... كان لقاؤه الأول مع السينما في ذلك الدور الباقي... فمن منا لم يجد نفسه في جانب من جوانب كمال عبدالجواد الذي أبدعه نجيب محفوظ وجسده نور الشريف... هزيمة المثالية والأحلام وتساقط الأوهام أمام رداءة الواقع ورغبات الانتزاع والتسلط وسيادة الذاتية الجامحة... جسد المثقف غير الحاسم المتراجع لأنه يعلم ولأنه غير متكالب لدرجة التخاذل... دور ينثر الزهور والسلام علي الناس ليصنع تسامحاً ومحبة.

< عندما كنت في الثانوي ذهبت إلي سينما ميامي لمشاهدة فيلم «ضربة شمس»... أصابني انبهار بالغ... شاهدت تصويراً حياً للقاهرة... منطقة وسط البلد... شاهدنا «اكسلسيور» المقهي الشهير الموجود أمام السينما ولم يزل... شاهدنا شارع هدي شعراوي وكوبري قصر النيل في تتابع مدهش... شاهدنا بطل الفيلم يختار أن يحيا حياته كما يؤمن ويري... يختار عمله ويخوض القضايا التي يري نفسه مدافعاً عنها... جسد الفيلم حرية اختيار الحياة والعمل وتحمل متاعب وأعباء الاختيار... كانت الموسيقي التصويرية بها جدة وجمال وشاعرية وترقب يتناسب وأحداث العمل... أما أداء الممثلين فكان ساحراً من مجدي وهبة لتوفيق الدقن لنورا... وأعاد اكتشاف ليلي فوزي... كان الفيلم الأول لمحمد خان وفاتحة السينما الجديدة القادمة من قلب الشارع والإنسان والوطن... فكان نور الشريف بعمله هذا انتصاراً للحداثة والتجديد وإثارة وعي وإحساس الناس.

< «الصعاليك» رائعة داوود عبدالسيد الذي نقل لنا الإسكندرية وبحرها وحميميتها بمنظار جديد... «الصعاليك» كان لقطة شديدة التركيز علي تدهور المعاني والقيم وسقوط الوطن في براثن الانفتاح وانعكاساته علي مختلف الأصعدة السياسية والاجتماعية ونشأة أباطرة الانفتاح الجدد... أداء نور الشريف ومحمود عبدالعزيز كان صادماً عنيفاً لتركيز المعني المقصود، وكذا كان أداء يسرا ومها أبوعوف... و«الصعاليك» كان حنيناً دائماً لي لمعاودة المشاهدة كي أنظر إلي الخلف بغضب.

< ظلت أعمال وأدوار نور الشريف ولا شك ترجماناً لسيرة وطن وتسجيلاً حياً لذاكرة ووجدان جيلنا وجيل سبقنا وأجيال تالية... «الكرنك- سواق الأتوبيس- أهل القمة- الصعاليك- زمن حاتم زهران- كتيبة الإعدام- دماء علي الأسفلت- ناجي العلي- ليلة ساخنة- المصير»... ذلك التتابع تركيز لقضايا الوطن المثارة، وعبر «نور» عن موقفه بوضوح في مواجهة القوي الطفيلية وأثرياء ومظاهر الفساد السياسي وقوي التسلط والقهر وتخريب الإنسان.... فكانت أفلامه لقطات ضافية علي الزوايا المختلفة لتلك القوي وكانت صرخات كاشفة للطبقة الوسطي والمواطن البسيط في مواجهة تفسخ المجتمع وسيادة الانتهازية والجهل، وكذا كانت صيحاته المبكرة في مواجهة قوي الظلام والاستبداد والمتاجرة بالدين.

< أقدم نور الشريف علي الإنتاج السينمائي ولم يتجاوز الثلاثين فقدم «دائرة الانتقام» بصورة بارعة جند فيها موهبته ومواهب متعددة أحسن توظيفها، فقدم «إبراهيم خان- يوسف شعبان- صلاح قابيل- عبدالسلام محمد- شويكار- حياة قنديل» في عمل أخاذ لم يزل يسرق العيون للمشاهدة، وقدم فيه سمير سيف كمخرج لأول مرة فقدم للجمهور نوعية أكشن لم يعتدها... قدم «نور» في مغامراته الإنتاجية «قطة علي نار» في معالجة جريئة لقصة لم يعتدها المجتمع وحشد أيضاً طاقماً هائلاً من النجوم.

< نور الشريف اخترق العائلة المصرية وتربع في القلب منها بأعماله الدرامية البارعة «العار- يارب توبة- جري الوحوش- مع سبق الاصرار- بريق عينيك- الغيرة القاتلة- آخر الرجال المحترمين- الصرخة- أولي ثانوي»... فمن منا لم يتعاطف مع «كمال» في «العار» وهو في مأزقه هل يحمي سيرة الأب أم يحمي سمعته أمام أسرته... ومصيلحي المدرس الذي اكتشف خيانة زوجته... الأستاذ فرجاني وشعوره بالمسئولية وتصديه لها... أما في أدواره الخفيفة فظل مقبولاً ومحبوباً من الأسرة المصرية... «غريب في بيتي- البعض يذهب للمأذون مرتين- في الصيف لازم نحب»... كان كما يقول الشوام مهضوماً.

< السجل التليفزيوني لـ«نور» حافل ومدهش... فمن «القاهرة والناس» إلي «أديب» التي أثرت في الجميع وهي تعرض الغربة والمصير والإنسان وتقلباته... بالطبع عبدالغفور البرعي في أداء عالمي بقي نور الشريف مطبوعاً في العقل الجمعي والذاكرة الوطنية للمصريين، بأعماله واجتهاده ودأبه أصبح نور الشريف رمزاً حقيقياً لسيرة وطن في الوجدان المصري بارزاً باقياً منيراً... رحم الله نور الشريف وعوض الوطن عنه خيراً.