رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

مجنونة يا قوطة.. مجنون يا إعلام

فى مثل هذا اليوم من كل عام، تصاب أسعار الطماطم بحالة من الارتفاع المفاجئ فى أسعارها، تدفع الذين يستهلكونها إلى الشكوى والصراخ، و تقود من يبيعونها إلى النداء عليها بعبارة «مجنونة يا قوطة» وكأنهم يبررون للمستهلك المسكين فى الطبقات الفقيرة والوسطى هذا الارتفاع المبالغ فيه فى أسعارها، ويبشرونه بأن القوطة ستسترد عقلها خلال أسابيع وينخفض سعرها من عشرة جنيهات إلى جنيهين أو أقل. أما السبب الذى يؤدى إلى إصابة الطماطم بهذه الحالة من الجنون الدورى ، فيعود إلى أن الطقس المتقلب فى مرحلة تغير الفصول، وحالة الارتفاع والانخفاض المفاجئ فى درجات الحرارة التى تمر بها البلاد، يؤدى إلى إفساد جانب من محصولها فى الحقول قبل حصدها، ما يضطر منتجيها وموزعيها إلى استخدام عربات الثلاجات فى نقلها، ويؤدى – فضلا عن شره حلقات الوساطة بين المستهلك والمنتج – إلى هذا الارتفاع المصطنع غالبا فى أسعارها.

وليست الطماطم وحدها، هى التى تصاب بالجنون فى مثل هذه الأوقات من كل عام، بل تصاب به كذلك ما يعرف فى الأسواق بـ«ببشاير» الخضراوات والفاكهة ومن بينها على سبيل المثال، طبقا لما تقول به المراصد الإعلامية المعنية بمتابعة الأسعار، البامية الخضراء التى ارتفع سعر الكيلو منها فى بعض التقديرات إلى أربعين جنيها وانخفض فى تقديرات أخرى إلى اثنين وعشرين جنيها، وسعر البطيخ الذى تراوح سعر الواحدة بين أربعين وستين جنيها، وعما قليل وبعد أسابيع سيهل علينا  المشمش، وهو بدوره من أجن الفواكه التى يرتفع سعرها فى موسم «البشاير» إلى الذروة، ثم يتدهور بسرعة مخيفة إلى أن يصل للحضيض.

وليس الأمر فى حاجة إلى ذكاء كبير لكى يعرف الجميع أن ارتفاع سعر «البشاير» يعود إلى أنها تحتوى طلائع الثمار التى تسبق غيرها فى النضوج فى الحقول، وهى فى العادة ثمار قليلة من المزروع منها، تقبل عليها فى العادة الفئات المستريحة اجتماعيا التى لا تصبر على أكل الثمرة حتى يكتمل نضجها، ولا يعنيها إن كانت بعشرين جنيها أو بجنيه واحد، والتى يتوهم بعض أفرادها أن الانفراد بما لا يستطيع معظم الناس تناوله، هو نوع من التميز الاجتماعى، ووسيلة من وسائل التفاخر على الآخرين والتحدث بنعمة الله عليهم.

ويبدو أن حالة الجنون التى تصاب بها الأسواق فى مثل هذه الأيام من كل عام مرض معد، سرعان ما ينتقل  إلى أجهزة الإعلام المصرية، التى تغريها حالة الركود فى النشاط السياسى، والتأجيل المتوالى غير المبرر فى إصدار قوانين تنظيم إجراء الانتخابات النيابية، وفتور حماس المشاهدين لمتابعة المناقشات السياسية، بالبحث عن موضوعات تعتقد أنها قد تكون أكثر جاذبية لدى الرأى العام، الذى لا يجد فى كثير مما ينشر وما يبث ،ما يدعو لاهتمامه، وحتى جرائم الإرهاب بات الشعب المصرى يتعايش ويتعامل معها كما لو كانت حدثا عاديا شبه يومى، من باب الثقة فى أنها ستنتهى بهزيمة الإرهابيين مهما طال الزمن.

وهكذا أصبح جنون القوطة ينتقل إلى وسائل الإعلام، التى تفشل عادة فى طرح تصور صحيح لمواجهة غلاء الأسعار، ولأنه لابد من تعليق فأس المسئولية عن هذه الحالة من الجنون فى رقبة شخص أو جهة ما، فإن أقرب رقبة يمكن تعليق الفأس فيها هى رقبة الحكومة. وبذلك ينهال الإعلام عليها باللوم والتقريع، والاتهام بالعجز عن ضبط الأسعار، ولسماحها للقوطة بالجنون، وبتكرار هذا الجنون كل عام ،والحل الموفق السعيد لديها الذى يبدو لها بسيطا، بعد وصلة من السخرية ،و فى بعض الأحيان وصلات من الردح،ضد الحكومة هو مطالبتها بأن تبادر حالا بفرض التسعير الجبرى على السلع والخضراوات، وضبط السوق، حتى يستطيع الفقراء ومحدودو الدخل أن يجدوا ما يأكلونه وما يواجهون به هذا الجنون الذى لا يقل درجة عن حالة الجنون التى أصابت الإرهابيين فى الشهور الأخيرة على مشارف انعقاد المؤتمر الاقتصادى والقمة العربية فى شرم الشيخ.

ولا أحد ممن يعالجون الموضوع فى الإعلام يبدى أية عناية بالبحث فى أسباب المشكلة أو التوصل إلى حلول حقيقية لها،أو يقدم لهذه الحكومة التى تتعامل مع أزمات موروثة من نحو خمسين عاما، اقتراحا عمليا لتطبيق الرقابة على الأسواق،التى جربتها مصر عبر التسعير الجبرى، منذ الحرب العالمية الثانية، ولم تستطع فى كل العهود أن تحقق به نجاحا يذكر، أو تتصدى للأسباب الحقيقية التى تؤدى إلى إرتفاع سعر السلع وخاصة الخضراوات والفواكه. فالسلعة حين تنتقل من يد المنتج – وهو الفلاح الذى زرعها – إلى يد المستهلك، يتضاعف سعرها ما بين خمسة وعشرة أضعاف لتذهب كلها ربحا حراما خالصا لسلسلة من الوسطاء، من تاجر الجملة إلى تاجر التجزئة، إلى البائع السريح. وبسبب تعدد حلقات الوساطة بين المنتج والمستهلك، واتساع أسواق البيع للمستهلك، فقد أصبح من الصعب دائما على وزارة التموين أن تحدد ثمنا اجباريا لأسعار الخضر والفواكه، وعز عليها أن توفر العدد الكافى من رجال الشرطة الذين ينيط بهم القانون ضبط مخالفات التسعيرة أو تطبيق العقوبة على المخالفين، التى غالبا ما تقع على صاحب النصيب الأدنى من الربح الذى ربما لا يتوازى مع مجهوده ، ولا يغطى حتى ثمن طعام أبنائه!

وعبر لعبة القط والفارالتى ترفع أسعار السلع بين الوسطاء وبين الذين ينيط بهم القانون تطبيق التسعيرة الجبرية، نجح هؤلاء الوسطاء فى ابتكار عشرات الاساليب التى تتيح لهم الاحتيال على الآخرين بإنشاء الثلاجات التى تمكنهم من تعطيش السوق بتخزين السلع، أو نقلها إلى أماكن نائية، حيث يوجد المستهلك  المستعد لدفع اى ثمن بلا  مساومة. وقد بدأت الدولة مواجهة ذلك بطرح تلك السلع فى المجمعات الاستهلاكية و سيارات متنقلة تجوب الأحياء والمدن والقرى، وفى منافذ بيع «الوطنية» التابعة للقوات المسلحة،وجميعها تبيع الفواكه والخضراوات والسلع الأخرى بتخفيض يصل إلى نحو 25% من  ثمن بيعها فى الأسواق.

تلك كلها عوامل لا يضعها بعض الذين يصيبهم جنون ارتفاع أسعار الخضراوات والفواكه فى موسم القوطة المجنونة من الإعلاميين، ويدفعهم إلى شن حملات طائشة، تؤدى إلى نتائج ربما لا يقصدونها، إذ انتقلت الحملة التى يقودونها، إلى الإعلام المعادى الذى تديره جماعة الإخوان من الخارج، وحملات الهمس المنظمة التى يقوم بها انصارها فى الداخل، باعتبارها دليلا  على فشل النظام القائم فى تحقيق العيش الكريم لشعبه،ومؤشرا على تدهور شعبيته، وبداية على أن ثورة جياع أوشكت على الحدوث ضد حكم «السيسى». وبدلا من أن يعتبر هؤلاء المتربصون أن ما تبثه أجهزة الإعلام المصرية فى هذا الشأن، دليل على ما يتمتع به المصريون من حرية التعبير، وما يمارسه الإعلام من حرية فى نقد الحكومة ونقد النظام هو تكذيب لادعاء الجماعة وأنصارها بأن النظام القائم يقمع المصريين، ويمنعهم من التعبير عن آرائهم، اتخذت من ذلك وسيلة لتحريض المواطنين على الانضمام إلى المظاهرات الهزلية والعشوائية التى يقومون بها لزوم التصوير للجزيرة، وهو طعم كان المصريون أذكى من ان يبتلعوه، على الرغم مما يعانون منه. ولو أنصف هؤلاء لأدركوا أن العودة للتسعير الجبرى باتت مستحيلة وأن التوسع فى السياسة التى بدأت الحكومة تنفيذها بإنشاء الأسواق المتحركة والأخرى الثابتة التى تنقل فيها السلعة من المنتج إلى المستهلك مباشرة دون وسطاء لتباع بهامش ربح معقول للطرفين، سوف يؤدى إلى ضرب الأسواق التى يفرضها الوسطاء والسماسرة والمحتكرون، ويجبرهم على خفض الأسعار،كما أن الحكومة لن تستطيع وحدها أن تضبط الأسواق دون معونة من المستهلكين، ودون أن ينظموا أنفسهم فى روابط تجعلهم قوة  دفاع عن مصالحهم فى مواجهة هؤلاء بتكبيدهم الخسائر التى قد تشفيهم من داء السعى إلى الربح حتى ولو كان حراما.

آن الأوان لكى يصاب المستهلكون بحالة من جنون القوطة، وأن يتوحدوا فى تلك الروابط لكى يعيدوا ميزان الأسعار المختل إلى إعتداله، وهو درس أثق أن شعبا جبارا كالمصريين قادر على أن يلقنه للمتاجرين باوجاعه،كما لقن غيرهم من دعاة الفوضى والإرهاب والسعى إلى استلاب إرادته وإكراهه على ما لا يريد.