رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أنا وكوز الذرة

 

 

الفرق بين الألف وكوز الذرة، أن كوز الذرة يمكن لك أن تشويه أو تقوم بتفصيص حبوبه وتطحنها كى تصنع منها الدقيق الأبيض، بالإضافة إلى أن عضم الكوز يصنع منه قوالح للتدفئة أو للطهى أو يصبح فحما نباتياً لإشعال وطقطقة أحجار المعسل.

أما الألف، فهو دائماً صلب ومشدود ومنصوب فى بداية قطار الأبجدية، قادر على الحراسة كجندى على الحدود، وعلى الحماية والرعاية كالأب والأم، وعلى العلاج كطبيب مداوٍ، وعلى الحب كفارس، وعلى أن يكون قلماً جباراً فى يد أديب أو مفكر أو شاعر رقيق موهوب.

لكن الألف الآن – لدى الكثيرين من كتّابنا وشعرائنا، أصبح جداراً عالياً وغليظاً، يقف من الأمام والخلف، حيث نجد حرف النون مغروزا بينهما، الذى يجعلك هنا تغرق فى الأنانية والغرور والغباء الثقافى والأدبى، والألف الذى يتصدر وينهى كلمة أنا، فهى هنا تعنى الغرور الذى أصاب الكثير من أدبائنا وشعرائنا خاصة من الجيل الجديد، خاصة كل من نشر قصة أو صدر له كتاب أو ظهر على شاشة إحدى الفضائيات لمدة دقائق أو صدر له ديوان أو رواية أو حتى فاز فى إحدى المسابقات التى لا يسمع عنها أحد.

فقد كثرت تلك الكلمة بنبرة – تبدو شاذة على أسماعنا - وتناقلت الأفواه «أنا» فى الفترة الأخيرة، تلك الكلمة الإنشائية الجوفاء: أنا أحسن شاعر، وأنا أحسن أديب، وأنا أحسن قاص، وأنا أستحق كذا، وأنا الأديب المفوه وصاحب القلم الذى كتب ما لم يكتبه أحد من قبل، فإذا كنا جميعنا فى طريق الكلمة الإبداعية والبحث عن مكان تحت شمسها الكبيرة، وجميعنا نجاهد فى غيط الأدب الضخم الذى يتسع للكثيرين، وكل له زرعته وله خصوصيته، فلماذا لا نلتفت إلى الإبداع ذاته ونترك التقييم والتقويم للنقاد والقراء وللزمن أيضاً كى نرى أى النصوص سوف يستمر ويتوغل فى أعماق تكويننا الثقافى والجماهيرى.

إن «أنا» وأعوذ بالله من كلمة أنا، تلك الكلمة التى تتردد فى الأفواه لا تعنى غير انتهاء أجل قائلها، وانعزاله فى جزيرة صنعها بنفسه، جزيرة لا يوجد بها فرسان أو أب أو أم، جزيرة لا يوجد على شاطئها قارب للنجاة أو يصل إليها كوبرى ولا تمر عليها أى سفينة عابرة بالصدفة.

فنحن، وطوال تاريخنا الأدبى، وبعد كل ما قرأناه وسمعناه من أساتذتنا الذين ساهموا فى تكويننا، فلم نسمع من نجيب محفوظ ويحيى حقى وطه حسين كلمة: أنا أحسن روائى أو من يوسف إدريس ومحمد شكرى وزفزاف وزكريا تامر: أنا أحسن قاص أو من محمود درويش والماغوط  وأدونيس ودنقل: أنا أحسن شاعر.

إن - الكبر والغرور والأنانية والتباهى ليس من شيمة هؤلاء العظماء، وهم عظماء لأنهم بسطاء فى البداية، أى كإنسان موهوب يشعر بموهبته ويشعر بحجم ما هو ملقى على عاتقه كى يكون مصباح يضىء للناس الطريق أو يكون منارة نهتدى بها فى بحر الحياة، - لاحظ يا عزيزى أن الألف فى كلمة - إنسان - هنا تحولت إلى ابتسامة وصفاء وقارب وسلاح وأمل، بعد ذلك تأتى أعمالهم الإبداعية من روايات ودواوين وكتب فى جميع الفنون والآداب، يليه تفوقهم وموهبتهم تلك التى أثقلوها بالقراءة والاحتكاك والتجريب والسفر فى مضمار الكتابة، تجارب مشحونة بإحباطات وانكسارات وبلاوٍ مسيحة حتى يروا الطريق جيداً، بل إنهم استفادوا من بعضهم البعض، لأن الأسد أربعة خراف، كما أن النهر الكبير يتكون من قطرات المطر ومن ينابيع لا تراها عين مغرورقة كعينيك أيها الـ «أنا»، لذا لم يكن أحد يتعالى على أحد، أو يقول لا أحد يصوب لى قصة أو رواية، أو تجد أحدهم يثور – وهو يختلف بالطبع عن الثائر - ويعترض عندما يقوم أحد بتعديل بعض أجزاء من أعماله، إنه التكامل والتجانس فى الزراعة فى حقل يتسع للموهوبين فقط، وليس لـ «أنا» يا أنصاف وأرباع المواهب.

إن الألف تحاصر الكثير من كتابنا وشعرائنا اليوم، تحاصرهم من الأمام والخلف، وتصبح كجدار وسور عالٍ فلا ترى غير نفسك ولا تقرأ غير نفسك ولا تهتم إلا بنفسك، بالتالى لا يراك الآخرون ولا يقرئك الآخرون، ولن تصلح لك النون كقارب نجاة لأنها لا تصلح للسباحة فى بحر أنت غير جدير بالسباحة فيه من البداية، ولن تتحول الألف إلى مجداف فى ذلك القارب أيضاً، وهنا ستأخذك النون لأسفل حيث القاع والظلام والبؤس الذى لن تخرج منه أبداً، ويصبح - حينئذ - كوز الذرة أفضل منك أيها الـ «أنا».