رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الرئيس وجمال حمدان

يوم الخميس الماضي احتفلنا ومعنا ممثلو العالم بقناة السويس الجديدة التي أتصور أن رمزها هذه المرة ليس سياسيا بقدر ماهو وطني يتعلق بفرصة استعادة الثقة بالنفس والقدرة على الفعل، وقد تابعت كلمة الرئيس السيسي وسعدت لاستشهاده بعبارة للمفكر والعبقري د جمال حمدان حول المستقبل المشرق لقناة السويس،  وربما تعود سعادتي بهذا الاستدعاء لفكر جمال حمدان أننا عشنا ثلاثين عاما مع مبارك لم يكن الرجل يضع أي اعتبار للفكر والثقافة والمثقفين وكان يحضر افتتاح معرض الكتاب ليصفي بعض الخصومات مع معارضيه من الكتاب.. وتساءلت بيني وبين نفسي ماهي القناة التي عجز المصريون عن شقها منذ آلاف السنين وحتى اليوم؟

واعتقد أن تلك القناة هي قناة العقل التي لم نستطع أن نضرب فيها فأسا جسورا حتى اللحظة.. قناة يجب علينا كمجتمع ودولة أن نملك جسارة شقها لتتغير العقلية المصرية وتخلع اقنعة كثيرة من التخلف والخرافات حجبت عن مصر شمس العلم والحقيقة.. نحن بحاجة لقناة نشقها داخل أنفسنا تربط بين العقل والنفس وتجري بين ضفتيها مياه التحضر والاستنارة نقية خالية من شوائب الفكر الديني التي عششت داخل ثقافتنا وعقلنا الجمعي ولاتزال تقف حائلا أمام أي فرصة للتطور الحقيقي.

 ومادام الرئيس السيسي قد تحلى بفضيلة الاستشهاد بفكر العبقري جمال حمدان الذي ذهب ضحية  مناخ متخلف فليس أجمل ولا أوقع من أن أستشهد أنا الآخر بما سجله هذا المارد في موسوعته الرائعة شخصية مصر حين قال (نحن كشعب ـ لابد لنا بصراحة أن نعترف-لا نحب فقط أن نمجد ونطري أنفسنا بحق وبغير حق،ولكننا أيضا نحب أن نسمع عن أنفسنا ما يرضينا ويعجبنا أو يرضي إعجابنا بذاتنا الوطنية وبشخصيتنا القومية. بل إننا لنكره أشد الكره أن نسمع عن عيوبنا وشوائبنا ونرفض بإباء أن نواجهها أو نواجه بها،ولا تكاد توجد ميزة على وجه الأرض إلا وننسبها إلى أنفسنا ونلصقها بها.و أيما رذيلة أو عيب فينا- أن هي وجدت على الإطلاق! ـ فلا محل لها لدينا من الإعراب أو الاعتراف،وان اعترفنا بها على مضض واستثناء فلها عندنا العذر الجاهز والمبرر والحجة المقنعة أو المقنعة).

شق قناة جديدة في قلب الصحراء عمل كبير بفعل الجهد البشري ومهم قياسا بجدواه الاقتصادية، وقد سعدت مثل كثير من المصريين بقناة السويس الجديدة وقد زرتها مع مجموعة من الاعلاميين قبل شهرين تقريبا.. وراء سعادتي بالقناة الجديدة اسباب قد تختلف عما عند البعض – لعل أهم وابرز الاسباب أن قناة السويس التي حفرها المصريون قبل اكثر من قرن ونصف ظلت رمزا لأكثر من تاريخ.. فهي قناة سياسية منذ نشأتها عام 1869 وظلت محل صراع بين فرنسا صاحبة الفكرة وبريطانيا صاحبة الاطماع وانتهي الأمر باحتلال الانجليز لمصر عام 1882 أي بعد ثلاثة عشر عاما من حفر القناة.. وبعد سبعين عاما انتفض شباب ثورة يوليو وكتبوا نهاية لحكم أسرة محمد على لتعود قناة السويس من جديد تحرك الأحداث وتكتب التاريخ عندما أممها الزعيم الخالد جمال عبد الناصر 1956 ثم يقع العدوان الثلاثي وتنتهي معركة السويس الكبرى بسقوط بريطانيا العظمي وبزوغ فجر زعامة تاريخية تمثلت في جمال عبد الناصر.

 ظلت قناة السويس على مدي تاريخها مثل بطل اسطوري يجلب للمصريين مرة شعورا بالكرامة  ومرة الاحتلال الأجنبي.. هذا التاريخ الطويل والمرير لايجب أن ينسينا حقيقة أن أكبر مشروع قومي وتاريخي وإنساني لم نبدأه بعد.. أن نعيد التعرف على أنفسنا.. أن نعيد اكتشاف ذواتنا.. أن ندمر جبال الخوف والخرافة التي تخفي تحتها شخصية حرمت من أن تتذوق حلاوة الحرية والكرامة وفضيلة العلم والمعرفة منذ مايقرب من خمسة عشر قرنا..يقول جمال حمدان (...أيا ما كان،فنحن معجبون بأنفسنا أكثر مما ينبغي وإلى درجة تتجاوز الكبرياء الصحي إلى الكبر المرضي.ونحن نتلذذ بمارسة عبادة الذات في نرجسية تتجاوز العزة الوطنية المتزنة السمحاء إلى النعرة الشوفينية الساذجة البهاء العوجاء..)

كلام العلامة جمال حمدان لو كنا جادين في النهوض بأنفسنا وبمصر فإنه كلام يحتاج أن ندرسه ونفهمه ونقتنع بأن شق قناة داخل عقولنا هو الجهاد الأكبر والعمل الجبار الذي لم نقدر عليه بعد  لأننا لم نتحرر من أبشع أنواع الاستعمار وهو استعمار التخلف الذي زرع داخل عقلنا الجمعى آلاف المستوطنات التي دمرت فطرة الانسان داخلنا وانحرفت بتاريخنا في طرق مظلمة، وأعتقد أن الرئيس السيسي لو تأمل أهمية هذه القناة المؤجل شقها من آلاف السنين لأدرك أن القادة الذين دخلوا التاريخ من أوسع ابوابه هم الذين قادوا حركة تغيير تاريخية في بلادهم نقلوا خلالها شعوبهم من صحاري الجهل إلى مدن التنوير وعندما يتحقق لأي شعب هذا التغيير سيعمل من نفسه وبإيمان وسيكبر في التاريخ ويصبح أكثر تأثيرا في الإقليم والعالم.. وحسن ختام هذه العبارة الدالة للدكتور جمال حمدان (إن ماتحتاجه مصر أساسا هو ثورة نفسية، بمعني ثورة على نفسها أولا، وعلى نفسيتها ثانيا، أي تغيير جذري في العقلية والمثل وأيديولوجية الحياة قبل أي تغيير حقيقي في حياتها وكيانها ومصيرها، ثورة في الشخصية المصرية وعلى الشخصية المصرية).

[email protected]