رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أوراق مسافرة

القرموطى.. هذا المجنون

مجنون، أو هيجننوه، أرددها بين نفسى كلما شاهدته، يخالطنى شعور متضارب بالرغبة فى أن يصمت قليلا رحمة بنفسه، قبل ان يختنق صوته ببحتة المعهودة، وفى أن يواصل كلامه الثائر الغاضب الذى يطلقه كالبارود فى وجه المسئولين المتقاعسين المتكاسلين بلا خوف أو تردد وإلا يصمت أبدا، حتى يسمع هؤلاء الذين سدوا آذانهم من طين وعجين، بل أكاد أشعر حينا لفرط غضبه مما يصله ويقرؤه ورفضه لكل ما هو «غلط»، أشعر أن يده ستخرج من شاشة التلفاز لتمسك برقبة وخناق هذا المسئول، وليهزه بقوة أو حتى يعطيه «علقة ساخنة»، عسى أن يفيق إلى ضميره ويؤدى عمله فى انقاذ هذا المواطن أو حل مشكلة تلك المسكينة، ولا ترتاح قسمات وجهه ويهدأ صوته، إلا عندما يصله نبأ حل ما طرحه من مشاكل البسطاء الفقراء المهزومين بين بيروقراطية الاداء، وموات ضمير المسئولين وانتشار قاعدة «الاناماليزم» التى لم تطح بها ثورتان.

نعم مجنون، الاعلامى جابر القرموطى مجنون بحب هذا البلد، عاشق مصر حتى النخاع، معجون بطين هذا الوطن، مجنون بهموم البسطاء، مجنون لأنه لم يصب بمرض الغرور بموقعه الاعلامى ككثير من مقدمى برامجنا.. وليس منفوخ الأوداج كالبالونة، وليس لامعا ببريق الزيف تحت الاضواء كغيره ممن بهرتهم أضواء الكاميرات، مجنون لانه لن يجنى الملايين من موقعه الاعلامى، لأنه لا ينافق مسئولا، ولا يجامل صاحب سلطان، يظهر أمامنا فى بساطة وعفوية مطلقة بلا تكلف، لا يتصنع فى التأنق وإحكام ربطة عنقه حتى تكاد مقلتاه تغادران وجهه من فرط الانتفاخ والعظمة كما يفعل غيره، ولا يستخدم المفردات «المجعلصة» المعقدة ليستعرض ثقافته اللغوية أمام جمهوره، ولا يقف ليدرس لنا ويستعرض معلوماته وكأننا تلاميذ «خايبين» فى فصل محو الأمية كغيره، ولا هو أيضاً على الطرف الآخر من النقيض، فهو لا ينحدر بكلامه إلى ما هو خارج وإباحى من سباب وألفاظ جارحة كغيره ليظهر لنا مدى بلطجته الاعلامية، و«فتونته» مع المسئولين، وأنه واصل وفوق أى قانون.

 بل هو بين كل هذا كأيقونة فريده، «شيك» فى بساطة، مثقف بخلق التواضع، شعبى فى احترام، حين تراه لا يغادرك شعور أنه أخوك أو ابن عمك أو أحد أقاربك الصادقين المحترمين فى زمن عز فيه الصدق وانتهى غالبا الاحترام، تشعر وكأنه يجلس معك فى أريحية بمنزلك، يناقش همك، ويبحث عن حل لمشكلتك، ولن يهدأ له بال حتى يجد هذا الحل ولو كان فى «فم السبع»، ويؤلمك هذا اليأس والحزن المرتسم على وجهه، حين لا يجد لصوته ومناشدته للمسئولين صدى فى انقاذ مستقبل طالب ستطرده مدرسة ألمانية، أو أم لا تجد علاجاً لعين ابنتها، أو نقطة ماء نظيف لقرى تسممها مياه الصرف، أو ابنة هرب والدها وتركها بلا رعاية بعد موت امها من اجل زوجة جديدة، او رجل جلده شرطى فقد ضميره واستغل سلطته، وغيرها الكثير من قصص تبكى الحجر، يضج بها أرجاء هذا البلد الذى يئن بسطاؤه دوما تحت سياط الظلم والاهمال، وكان القرموطى لها.. رجلها الحاضر، وقد حمل على عاتقه البحث عن حل، رغم أنها فى الحقيقة ليست مسئوليته كمقدم برامج، وهذا هو الفارق، غيره يطرح المشكلة ويصمت، وهو يجرى وراء الحل «بالمشوار».

وبين وقت وآخر يفاجئك بخفة دمه، واستخدامه أشياء لا معقولة لإيصال فكرته، فيخرج مرة ليطبخ، وأخرى ليكنس، وثالثة ومعه «قلة» أو مرتديا «غطرة وعقال»، أو حتى بدلة اعدام حمراء، لم ألتق بالقرموطى ولا مرة بصورة شخصية، ولم أتواصل معه كتواصلى مع غيره من الاعلاميين مقدمى البرامج، فلم تسمح فرصة أو صدفة بذلك، لكنى اعترف ببساطة انى إحدى مشاهدات برنامجه، لأنه رغم كونه برنامجاً متخصصاً فى قراءة «مانشيت» الصحف، لكنه نجح بجدارة مع فريق عمله المجانين مثله بحب مصر، فى تحويله إلى برنامج هادف خدمى، خرج عن قيد الطرح والفكرة الى رحاب البحث والحل لأى مشكلة.

قرموطى.. رائع أن تدخل السرور على قلوب الآخرين إذا احتاجوا للمساعدة، وتكفيك منهم دعوة صادقة، فخير الناس أنفعهم للناس، وقمة السعادة ان تكون سببا في سعادة الآخرين، وكما قال رسولنا الكريم «ص» (إن من أحب الأعمال إلى الله إدخال السرور على قلب المؤمن, وأن يفرِّج عنه غما, أو يقضي عنه دينًا, أو يطعمه من جوع».

رغم أنى لا أعرف الرجل عن قرب، ولا ازكيه على الله، فهو أعلم بكل سرائره، ولكنى هكذا أراه، وأردت ان أبعث له برسالتى ، ولعل زميلنا الكاتب الخلوق الاستاذ محمد عبد القدوس هو من أوحى لى دون قصد منه لأن أكتب واقول للقرموطى «برافو عليك.. استمر وفقك الله فى خدمة البسطاء»، لأننا كإعلاميين أو حتى غير اعلاميين قد نحتاج فى لحظة ما لمن يقول لنا «برافو.. انت صح»، فعبدالقدوس لا يألو جهداً أو فرصة ليتصل بأى صحفى ابدع موضوعا أو حقق سبقا، أو كتب مقالا جيدا ليشكره ويشجعه، ويكلف نفسه الوقت والجهد والمكالمات، ليقول لهذا الزميل أو ذاك «برافو.. أحسنت» حتى وإن كان لا يعرفهم بصورة شخصية، أو أياً كان عمر الصحفى كبيراً أو فى أولى خطواته المهنية، نعم يفعل عبدالقدوس هذا، دون أى هدف لنفسه أو مكسب شخصى، سوى حسن الزمالة، فى وقت عزت فيه علاقات الزمالة الطيبة، وتحولت معظم المؤسسات إلى ما يشبه صراع الديوك، أو حرب الأسماك الكبيرة لالتهام الصغيرة، فى وقت يكيد فيه الزميل لزملائه، وينصب لهم الفخاخ لضربهم فى مقتل من أجل مصلحة شخصية أو منصب «فارغ» أو طمعا فى حافز او علاوة.

شكراً أستاذ قرموطى.. شكراً أستاذ عبدالقدوس، فأفضل الناس ما بين الورى رجل.. تقضى على يده للناس حاجاتُ، وهنيئاً لمن أدخل السرور على قلب مؤمن، طفلاً يتيماً كان أو شيخاً كبيراً أو امرأة أرملة، أو من قام بأى فعل من أفعال الخير لتسهيل أمور الناس والتخفيف عن آلامهم وحارب تعقيد أمورهم، فأحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم.. فطالما استعبد الإنسان إحسان.

 

[email protected]