رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

خارج السطر

رد الاعتبار لفرديناند ديلسبس

تستفزنى مواضع تزوير التاريخ، وأعود لما درسته فى المدرسة صغيرا لأجد تباينا كبيرا بين ما حاولوا صبه فى عقولنا وبين ما كان .

كثيرا ما فكرت كيف باع الوالى سعيد باشا حاكم مصر فى منتصف القرن التاسع عشر سيادة مصر وهيبتها مقابل طبق مكرونة ؟ كيف خدعه وخدع رجاله والمصريين ذلك المغامر الأفاق الذى يُدعى فرديناند ديلسبس ؟ كيف كانت قناة السويس وبالا على مصر فجذبت جيش أكبر دولة لتحتلها بعد أن تسببت فى إغراقها بالديون؟

أسئلة ساذجة فشلت فى إجابتها لأنها بنيت على تزوير وقح  للتاريخ. فى الحقبة الناصرية قالوا إن ديلسبس أفاق، وأن الوالى سعيد أحمق ونهم، وأن الخديو إسماعيل باع مصر للأجانب. ولم يكن ذلك صحيحا.

لو سألنا السؤال العكسى وقلنا: ماذا لو لم يأت ديلسبس إلى مصر؟ وماذا لو لم يوافق الوالى سعيد على امتياز قناة السويس؟ وماذا لو لم تُنشأ تلك القناة؟

بلا شك لو كان ذلك كذلك ما احتفلنا اليوم بافتتاح مجرى جديد اضافى للقناة، وما وضعنا خططا لمشروعات عملاقة على ضفتيها.

إن نصف ما نفخر به الآن وراءه ذلك الفرنسى الطموح الذى قرأ كتاب وصف مصر وآمن بدراسة وضعها علماء الحملة الفرنسية واعتبرها مشروع حياته، وهجر العمل الدبلوماسى واستغرق ما بقى من حياته فى تنفيذ أهم مشروع ملاحى فى العالم.

قصة المكرونة الوهمية مردودة لأن الوالى سعيد كان يرى أن المشروع يخدم البشرية ومصر ولم يكن لديه الأموال الكافية لتنفيذ المشروع واستخدم نظام حق الانتفاع الـ«بى أو تى  الآن « لعمله، كما يحسب للخديو إسماعيل تعديله الامتياز بما يوقف تشغيل المصريين بالسخرة، وقبل كل هذا يُحسب لديلسبس جهده وعمله وإخلاصه لحلمه الشخصى وإصراره على التقدم بطلب امتياز القناة لوالى مصر وليس للسلطان العثمانى الذى  كان يعتبر مصر ولاية تابعة له .

فى سنة 1956 أمم الرئيس الراحل جمال عبدالناصر قناة السويس كشركة مساهمة مصرية، وهو إنجاز وطنى من إنجازاته النادرة، لكن ذلك صاحبه موجة من الكراهية والتخوين والإيمان المطلق بنظرية المؤامرة، وكان أن قامت الجماهير المعبأة بالكراهية بالاحتشاد حول تمثال بديع لفرديناند ديلسبس بمدينة بورسعيد، ثم تم تشويهه، قبل أن تبادر السلطات المصرية بنسفه تماما وكأن ذلك التمثال ستدب فيه الحياة ويستولى على القناة مرة أخرى!

ذلك التمثال الذى أنشىء كعرفان جميل لرجل وضع وخطط وتابع ميلاد قناة السويس كأهم مجرى ملاحى فى العالم سنة 1869 لم يكن من المُبرر هدمه تحت أى مسمى. لقد خدم ديلسبس كقنصل فى الإسكندرية فى عهد محمد على وكانت له جهود عظيمة فى وقف تفشى وباء الكوليرا سنة 1832، ثُم عمل أستاذا لأبناء محمد على حتى جاء سعيد إلى حكم مصر سمعه يقول «أريد أن أخلد اسمى كواحد من الذين جلبوا الازدهار لمصر لا الحرب» ووجدها ديلسبس فرصة ليعرض عليه حلم حياته الذى هو أحد مفاخر المصريين الآن.

أما آن لنا أن نعترف بفضل الرجل وأن نرى وجهه الأبيض بدلا من تحويله لنصاب محترف وعميل مأجور للغرب المتآمر؟

الله أعلم.

 

[email protected]